امانى سيد
سنين الغربه ١
فتحت الدولاب…
لقيت هدومى متكوّمة فى أكياس سودا كبيره، مرميه فوق بعض كأنها هدوم حد مات.
حتى البرفان اللى كنت بسيبه مخصوص عشان أول يوم أرجع فيه، نصه مخلص.
مديت إيدى أخدت فستان كنت جايباه عشان أول عزومه بعد الرجوع…
لقيت عليه بقعه زيت.
وقتها حسيت نار طالعه فى صدرى.
خرجت من الأوضه وأنا شايله الفستان، ووقفت قدام حماتى ومرات أخو جوزى وقلت:
ـ ده كمان العفاريت لبسته؟
مرات أخو جوزى بصت ناحيه حماتى وقالت بتوتر:
ـ والله ما كنت أعرف إنه جديد.
ضحكت بسخريه:
ـ طبعًا… ما انتى فاكره الشقه دى جمعيه خيريه.
حماتى قامت مره واحده وقالت بعصبيه:
ـ انتى داخله تتخانقى؟! بدل ما تحمدى ربنا إن شقتك متصانه!
بصيتلها بقهر وقلت:
ـ متصانه؟
دى حتى ذكرياتى متبهدله هنا.
جوزى ساعتها دخل الأوضه وبدأ يفتح الأدراج بعصبيه…
وفجأة وقف مكانه.
طلع علبه صغيره من الدرج وبصلها مصدوم.
عرفتها فورًا… علبة دهبى.
فتحها… فاضيه.
رفع عينه على أمه وقال بصوت مخنوق:
ـ دهب مراتي فين؟
البيت كله سكت.
مرات أخوه وشها اصفر، وحماتى بلعت ريقها وقالت بسرعه:
ـ عندى… خبيته
مديت إيدى وقلت:
ـ هاتيه.
قالت بتلعثم:
ـ أصل… أصل كنت مسلفه منه حته بسيطه لوليد يزنق نفسه بيها وهيجبها.
حسيت رجلى مش شيلانى.
ـ يعني إيه مسلفه؟!
دهبى أنا؟!
إنتى بقيتى تفتحي شنتى ودولابى وتاخدى دهبى وتجهزى بيه ابنك؟!
حماتى زعقت هى كمان:
ـ ما هو أخو جوزك برضه!
الدهب مش هيطير!
جوزى لأول مره فى حياتنا صرخ فى وش أمه:
ـ كفايه!
كفايه بقى!
صوته رج البيت كله.
حتى أخوه خرج من الأوضه على الصوت، لابس تيشيرت جوزى القديم… اللى كنت بشتريهوله من أول مرتب ليا بره.
بص لجوزى وقال بضيق:
ـ إيه يا عم فى إيه؟
هتعملوا مشكله عشان قعدنا كام شهر؟
بصيتله وأنا حاسه إنى بكره كل ركن فى البيت ده وقلت:
ـ كام شهر؟
إنت كنت عايش حياتك هنا… وأنا هناك بعدّ الأيام عشان أرجع بيتي.
رد ببرود مستفز:
ـ ما انتى رجعتى أهو.
الكلمه نزلت على قلبى زى الكف.
رجعت أبص حواليا…
فجأة حسيت إنى فعلًا ما رجعتش.
البيت اللى كنت بحلم بيه كل ليله فى الغربه…
اتسرق منى قبل حتى ما أدخله.
لقيت نفسى بمشى ناحية الباب.
جوزى جرى ورايا وقال:
ـ رايحه فين؟
بصيتله
ـ أى حته…
أصل البيت اللى كنت مستنياه من سنتين… طلع مش بيتى.
وقفت مكاني على عتبة الباب، الهوا اللي جاي من السلم حسيت بيه أخيرًا بعد الخنقة اللي كانت جوه.
جوزي مسك إيدي، كان بيترعش، وعينيه فيها نظرة أول مرة أشوفها... نظرة واحد اتهزت ثقته في كل اللي حواليه.
ـ استني بس يا نادين، استني عشان خاطري، مش هتمشي في وقت زي ده، أنا هجيبلك حقك تالت ومتلت والله العظيم ما هعديها!
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي، وبعدين بصيت في عينيه وقلت بنبرة ميتة، نبرة حتى دموعي نشفت فيها:
ـ حق إيه اللي هيرجع يا أحمد؟ الفستان المتبهدل؟ ولا دهبي اللي اتوزع؟ ولا كرامتي اللي اتداست تحت رجلين أمك وأخوك؟ أحمد... أخوك لابس لبسك، وعايش في بيتك، وأمك شايفاني داخلة أتبطر على النعمة! النعمة اللي طحنّت فيها سنتين في الغربة عشان نعمل السقف ده!
أمك خرجت ورايا على الصالة، صياحها كان لسه مالي المكان، وبكل جبروت قالت:
ـ سيبها تمشي يا أحمد! خليها تروح تشتكينا في الأقسام عشان كام غويشة وفستان! هي فاكرة نفسها إيه؟ دي لسه داخلة ورجلها مرزبة
أحمد لف ليها، وصوته المرة دي مكنش زعام، كان واطي... بس مرعب:
ـ بس... بس بقى يا أمي! أنتي إيه اللي جرالك؟ ده بدل ما تطيبي خاطرها؟ دي شقانا! شقاي أنا ومراتي! أنتِ بعتي دهبها عشان وليد؟ وليد اللي قاعد حاطط رجل على رجل ومستخسر حتى يقلع تيشيرتي؟
وليد سند ضهره على الحيطة ببرود وسخرية وقال:
ـ جرى إيه يا أبو حميد؟ هتقلب علينا عشان حتتين قماش وحديد؟ ما إحنا كنا بنحرسلك الشقة والمال السايب، ولا كنت عايزها تعفن؟
في اللحظة دي، حسيت إن أي كلمة تانية هتتقال هتنقص مني. سحبت إيدي من إيد أحمد براحة. الباب كان موارب، والسلالم الضلمة كانت باينة. الغريبة إني حسيت الضلمة اللي برة أرحم بمليون مرة من النور اللي جوه اللي كاشف عورات النفوس دي.
ـ أحمد... أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة. لو عايزني، هبقى عند بيت أهلي.
نزلت السلم، وخطواتي كانت سريعة كأني بهرب من بيت مسكون. كنت بسمع صوت أحمد وهو بيزعق ورايا، وصوت خناقهم بيبعد ويبعد.
لما طلعت للشارع، الهوا خبط في وشي. بصيت لفوق، لبلكونة شقتي اللي كان نفسي أقف فيها وأنا بشرب شاي