بقلم امانى سيد
الشقه الجديده ٢
خير يا حماتي.. أنا مش جاية أشمت، أنا جاية أحط النقط على الحروف. الشقة اللي تحتيا دي شقتك، تفرشيها، تقعدي فيها، تنوريها.. ده أمر يخصك ويخص بناتك. أنا من بكرة هبدأ ألتفت لبيتي ولحياتي، وتوفيق هيشوف شغله ويراعي ولاده. يوم ما تحبي تشرفينا فوق، الباب مفتوح ليكي كأم، تشربي شاي وتتغدي وتمشي معززة مكرمة. لكن شغل انزلي اطبخي وافرشي ومشي البيت.. الصفحة دي اتقطعت واترمت في الزبالة.
حماتي سكتت، وبصت لبناتها اللي واقفين زي الأيتام مش عارفين يعملوا إيه في كراكيب الشقة، ولسه مستوعبين إنهم هيشيلوا الليلة دي كلها لوحدهم من غير أميرة الغلبانة اللي كانت بتعمل كل حاجة في صمت.
وقفت بكل شياكة، وعدلت عبايتي وقولت لتوفيق يلا يا أبو العيال.. نطلع شقتنا بقى عشان ورانا حاجات كتير عايزين نعملها، ونسيب الجماعة يكملوا شغلهم.. شدي حيلك يا ياسمين، الشقة لسه محتاجة مسحة محترمة!
توفيق وقف فوراً زي الألف، وباس إيد أمه وقالها سلام يا أمي، لو عوزتي حاجة كلمي البنات يعملوهالك.
خرجت من الشقة وراسي مرفوعة في السماء، وتوفيق ماشي جنبي وقفل الباب وراه. وأنا طالعة السلم، كنت سامعة صوت حماتي وهي بتبدأ تزعق لبناتها تاني وصوت الخناق رجع يولع.. بس المرة دي، الصوت كان بعيد، بعيد أوي عن عالمي الجديد اللي بنيته بكرامتي وبإيدي.
أول ما دخلت شقتي، قفلت الباب، وبصيت لتوفيق وقولتله بابتسامة وثقة نورت بيتك يا توفيق.. من بكرة، الحياة هتمشي صح، واللي يقدر مراته.. يشيلها فوق راسه
توفيق بصلي وهز رأسه وهو حاسس إن في حمل انزاح من عليه، ورغم كل اللي حصل، كان جواه راحة إن بيته رجع يتلم تاني. قرب مني وقال بنبرة هادية وفيها تقدير حقيقي حقك عليا يا أميرة.. أنا اتعلمت الدرس، وعرفت إن اللي معاه ست أصيلة زيك، لازم يشيلها في عينه ويحافظ عليها.
ابتسمت له ونزلنا مع بعض عشان نجهز لليوم الجديد.
عدى شهر كامل على اليوم ده.. الشروط اللي حطيتها مشيت زي السكين في الحلاوة. توفيق بقى ملتزم ببيته وبيراعي مشاعري قبل أي حاجة، ومصروف البيت بقى يجي في معاده ومن غير نقاش.
أما تحت عند حماتي.. البنات ياسمين وشيماء اتعلموا الأدب على أصوله، بقوا هما اللي بيطبخوا ويمسحوا ويشيلوا شقة أمهم، وضهرهم انحنى في الخدمة لحد ما عرفوا إن الله حق، وعرفوا قيمة أميرة اللي كانت شايلة الجبل ده كله لوحدها ومحدش بيحمد ربنا. حماتي مبقتش تقدر تفتح بقها بنص كلمة، ويوم ما بتفكر تطلع عندي، بتخبط بأدب وبتدخل ضيفة معززة مكرمة، تشرب كبايتها وتمشي، ومبتدخلش في خرم إبرة يخص حياتي.
وفي ليلة من ليالي الصيف الرايقة، كنت قاعدة في بلكونة شقتي الجديدة.. الشقة اللي حاربت عشانها وطلعت روحي عقبال ما عتبتها. المكان كان هادي، والهوا يرد الروح.
دخل توفيق البلكونة وهو شايل صينية عليها كبايتين شاي مظبوطين ونعناع ريحته فواحة، وحط الصينية وقعد جنبي، ومسك إيدي اللي بتلمع فيها الغوايش الجديدة وقال بابتسامة الشاي المضبوط اللي يعدل الدماغ يا ستي.. عمايل إيديا مخصوص.
أخدت منه الكباية، وارتشفت منها بؤ صغير وبصيت للسما المحملة بالنجوم، وأخدت نفس طويل مليان رضا وأمان. بصيت لحياتي الجديدة ولبيتي اللي بقيت فيه ملكة ومحدش ليه حكم عليا، وقولت في سري الحمد لله.. الحكاية مكنتش حكاية شقة جديدة، الحكاية كانت حكاية كرامة.. والحمد لله إني عرفت أجيبها وأعيش ملكة في مملكتي.
قفلت صفحة التعب والخدمة والإهانة، وبدأت صفحة جديدة كلها احترام وتقدير.. والنهاية كانت زي ما تمنيتها وأحلى!