بقلم امانى سيد

الشقه الجديده ١

لمحة نيوز


دخلت أوضة النوم زي الإعصار، سحبت أكبر شنطة سفر عندنا، وفتحت الدولاب. بقيت ألم في هدومه بمنتهى العصبية والسرعة، قمصانه، بنطلوناته، حتى الجزم والشرابات، حطيت كل حاجته في الشنطة وقفلتها بـ "الـسوستة" بقوة وكأنني بقفل صفحته من حياتي.
سحبت الشنطة ورايا، وفتحت باب الشقة ونزلت السلم وعيني مفيهاش دموع، فيها غضب يهد جبال. وصلت للدور اللي فيه شقة حماتي، والباب كان موارب والصنايعية لسه رايحين جايين. رميت الشنطة في نص الصالة بكل عزمي، لدرجة إنها عملت رزع هز المكان.
حماتي اتنفضت من مكانها وبصت للشنطة وبصتلي وهي مذهولة: "إيه ده؟ إيه قلة الأدب دي؟"
بصيت لها بمنتهى الثبات وقولت بصوت حاد ومسموع للكل: "ده ابنك المحروس يا حماتي.. كلمني وبيخيرني بين خدمتك وخدمة صنايعيتك وبين كرامتي، وأنا اختارت كرامتي. هدومه اهي، لما يرجع من الشغل خليه ينام عندك ويقعد تحت رجلك ورجل بنواتك يشبعوا بيه، وأنا ماليش دعوة بيكم تاني!"
سيبتها واقفة حاطة إيدها على بقها ومبرقة من الصدمة، وطلعت شقتي وأنا بأخد السلم خطوتين في خطوة. أول ما دخلت، قفلت الباب بالترباس، ومسكت تليفوني واتصلت فوراً بـ "عم أحمد" النجار اللي في أول الشارع.
"أيوة يا عم أحمد.. معاك أميرة. عايزة حضرتك

تجيلي حالا بكالون جديد للشقة، وتغيرلي الكوالين كلها فوراً."
ساعة زمن وكان الكالون متغير، ومعايا المفاتيح الجديدة في إيدي. قعدت على الكنبة وأنا بتنفس براحة لأول مرة من سنين. الموبايل م بطلش رن، توفيق وأمه واخواته، الكل بيتصل ويبعت رسائل تهديد وشتيمة.. بس المرة دي، أنا كنت عاملة "تليفوني صامت" وقررت إني مش هرد على حد، ولا هضعف.
أنا اللي عودتهم على شيل المسؤولية، وأنا اللي هعلمهم الأدب من أول وجديد.. والبادئ أظلم!

فاتت كام ساعة، وأنا قاعدة في هدوء تام، مراقبة شاشه الموبايل وهي بتنور كل دقيقة برقم توفيق، وبعدها رقم حماتي، وبعدها رسايل على الواتساب مليانة تهديد ووعيد من أخواته البنات اللي فجأة افتكروا إن عندهم صوت وبيعرفوا يتكلموا ويدافعوا عن أمهم!
ضحكت بسخرية وأنا بقفل الشاشة خالص.. سبحان الله، بقوا يعرفوا يتكلموا ويتحركوا أهو، أومال مكانوش بيعرفوا يشيلوا كوباية من مكانهم ليه؟
على الساعة تمانية بالليل، سمعت صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم بغل.. الخطوات دي أنا حافظاها كويس، دي خطوات توفيق لما يكون قايد نار.
وقفت ورا الباب وقلبي رجع يدق تاني، بس المرة دي مش خوف، المرة دي ترقب لشكل المعركة.
سمعت صوت المفتاح وهو بيدخل في الكالون.

. لفه يمين، لفه شمال، المفتاح مش عايز يفتح. جرب تاني وتالت وهو بيحاول يعافر مع الباب، لحد ما استوعب إن الكالون اتغير!
رزع الباب بقبضة إيده بكل عزم وهو بيصرخ ويهز العمارة: "أميرة! افتحي الباب ده حالا! أنتي اتجننتي رسمي؟ إزاي تغيري الكالون؟ وايه المخروبة الشنطة اللي رميتيها لأمي تحت دي؟ افتحي بدل ما أكسر الباب فوق دماغك!"
أنا وقفت بكل ثبات، ومفتحتش حتى السلسلة، وقولت بصوت عالي وناشف وصارم من ورا الباب: "وفر مجهودك يا توفيق، والباب ده مش هيتفتحلك الليلة، ولا هيتفتحلك أصلاً غير بشروطي أنا!"
زعق وهو هيطق من الجنان: "شروطك؟ أنتي بتبلطجي عليا في بيتي؟ افتحي الباب وبطلي قلة أدب!"
رديت عليه بضحكة برود استفزته أكتر: "بيتك؟ لأ يا حبيبي، ده بيتي أنا.. الشقة دي باسمي وتبعي أنا، وأنا اللي دافعة دم قلبي فيها وفي فرشها. أنت اخترت أمك وخدمة صنايعيتها، وقولتلي روحي بيت أبوكي.. وأنا وفرت عليك المشوار وقعدت في بيتي، وأنت اللي هتروح تنام في حضن أمك الليلة، وتخلي أخواتك الهوانم يفرشولها ويخدموها.. فرجني بقى شطارتهم!"
سمعت صوت حماتي وهي طالعة تجري على السلم وبتنفخ، وبتقوله بصوتها العالي: "شايف يا توفيق؟ شايف البت اللي كنت مفكرها غلبانة وطيبة عملت
فينا إيه؟ دي رمت هدومك في وسط الصنايعية وفضحتنا، وجاية دلوقتي تقفل الباب في وشك! والله ما تبات في العمارة دي الليلة يا توفيق غير لما تطلقها وتكسر مناخيرها!"
توفيق بدأ يرزع زي المجنون ويركل الباب برجله: "افتحي يا أميرة بقولك! هوديكي في داهية!"
بكل هدوء، طلعت موبايلي من جيبي، وفتحت سبيكر وقولتله: "توفيق، أنا صباعي على رقم نجدة الصف وعم أحمد النجار واقف مستني إشارة مني مع شباب الحتة.. لو المحاولة الجاية رجلك لمست الباب، هعملك محضر تعرض وبلطجة وهفضحك في منطقتك الجديدة قبل ما تسكنها.. لم هدومك وانزل مع أمك يا إما قسماً بالله هتشوف الوش اللي عمرك ما تخيلت إنه موجود!"
الهدوء ساد فجأة.. وكأن الكلمات نزلت عليهم مية ساقعة. توفيق اتصدم من لهجتي وقوتي اللي أول مرة يشوفها، وحماتي برقت وهي شداه من إيده وبتقوله بوشوشة مسموعة: "انزل يا توفيق.. انزل يا ابني دي اتهبلت وشكلها هتعملها وتلم علينا الناس، انزل وبكرة نربيها ونعرفها مقامها!"
سمعت صوت خطواتهم وهي نازلة، السلم كان بيتهز من كتر الغل اللي جواهم.. وأنا سدت ضهري على الباب، وأخدت نفس طويل وأنا ببتسم وبقول في سري: "لسه.. ده أنا هربيكم واحد واحد، واليومين اللي جايين دول هتعرفوا مين هي أميرة
اللي كنتوا مستعبدينها!"

تم نسخ الرابط