بقلم امانى سيد

بهاق ٢

لمحة نيوز

نزلت من البيت والشنطة في إيدي، بس المرة دي مكنتش رايحة أستخبى عند أهلي ولا أدور على ركن ضلمة أعيش فيه. وقفت في نص الشارع، والشمس كانت ضاربة في إيدي ووشي، وبدل ما أحاول أداري البقع بطرف الطرحة زي كل مرة، فردت ضهري وسبت النور يكشفني للدنيا كلها.
قررت إن "أمنية" اللي كانت بتخدم الكل وتستنى كلمة رضا، ماتت في أوضة العمليات مع أول نظرة خذلان من فريد.
أول حاجة عملتها إني روحت قدمت في مدرسة خاصة قريبة. المدير بص لوشي وإيدي بتردد، وقال بنبرة فيها شفقة مستفزة: "إحنا يهمنا المظهر العام قدام أولياء الأمور يا مدام أمنية."
بصيت له بثبات مكنتش أعرف إنه عندي وقلت له: "المظهر العام بيبدأ من الثقة، وأنا واثقة إني مدرسة شاطرة. جربني في حصة واحدة، ولو الطالب مفهمش مني، اعتبرني مكنتش هنا."
فعلاً،

بدأت أشتغل. في الأول كان فيه همسات بين المدرسين، ونظرات استغراب من الأطفال. لكن مع الوقت، حنيتي اللي كنت بدلقها على فريد، بدأت أوجهها للطلبة. بقيت المدرسة اللي الكل بيحب حصتها، مش عشان شطارتي بس، لكن عشان كنت بعلمهم إن الاختلاف مش "عيبة"، الاختلاف هو اللي بيميزنا.
فريد حاول يكلمني كذا مرة، بعت لي رسايل اعتذار بيقول فيها إنه كان مهزوز ومصدوم، وإنه محتاجني جنبه لأن مفيش حد بيعرف يراعي تفاصيله زيي.
رديت عليه برسالة واحدة بس: "أنا كنت عينك لما كنت أعمى، ودلوقتي أنت فتحت وشفت شكلي.. بس للأسف لسه مش شايف قيمتي. أنا مش ممرضة يا فريد، أنا بني آدمة، واللي مبيعرفش يشوف الروح، ميلزموش الجسد."
مرت الأيام، وبدأت حصة "ميس أمنية" تكون هي المتنفس الوحيد لطفل صغير في الفصل اسمه "ياسين". ياسين
كان طفل هادي بزيادة، ملامحه فيها حزن أكبر من سنه، ومن أول يوم دخلت فيه الفصل وهو عينه مانزلتش من عليها.
في يوم، بعد الحصة، لقت ياسين واقف جنب مكتبها وبيمد إيده بوردة دبلانة شوية وقال بصوت واطي: "ميس أمنية.. أنتي شكلك جميل أوي، عاملة زي الملايكة اللي ماما حكت لي عنهم قبل ما تروح عند ربنا."
الكلمة لمست قلب أمنية في مقتل. نزلت لمستواه وطبطبت عليه، ومن يومها وياسين بقى ظلها. كان بيحكي لها عن لبسه اللي مش عارف ينسقه، عن أكله اللي بيشتريه جاهز، وعن باباه اللي دايما مشغول وتعبان.
في البيت، مكنش وراء ياسين غير سيرة واحدة:
"بابا، ميس أمنية النهاردة ضحكت لي."
"بابا، ميس أمنية عندها نقط نور في إيدها وشها، بتبقى منورة وهي بتشرح."
"بابا، أنا نفسي ميس أمنية تيجي تعيش معانا عشان هي بتعرف تطبطب
زيك بالظبط."
الأب، "عمر"، كان بيسمع الكلام بابتسامة باهتة، بس الفضول بدأ ينهش فيه. مين هي المدرسة اللي قدرت تملى فراغ أم غايبة في قلب طفل بالسرعة دي؟ وإيه حكاية "نور إيدها" اللي ابنه مبهور بيه؟
في يوم، قرر عمر يروح المدرسة "من باب الفضول" بحجة إنه يسأل عن مستوى ياسين الدراسي. وقف قدام باب الفصل، وكان السمع سابق الشوف. سمع صوتها وهي بتضحك مع الأولاد وبتشرح بتمكن وحب.. صوت فيه حنية غريبة، حنية شخص ذاق الوجع فقرر يداوي غيره.
خبط ودخل. أمنية رفعت راسها من فوق الكراسات، والشمس كانت جاية من الشباك وراها، فبان البهاق في وشها ورقبتها بوضوح تام. عمر في اللحظة الأولى اتسمر مكانه، مش صدمة من شكلها، لكن صدمة من "الهيبة" اللي كانت في عينيها.
"أنا.. أنا والد ياسين." قالها عمر وهو بيحاول يجمعشتات
نفسه.

تم نسخ الرابط