بقلم امانى سيد

بهاق ١

لمحة نيوز


فريد فضل ساكت لثواني كانت بالنسبة لي دهر، وبعدين سحب إيده من إيدي ببطء وهو لسه عينه مثبتة على وشي، وقال بصوت ناشف ومستغرب:
"هي دي أمنية؟ أنتي أمنية؟"
كنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني، دموعي اتجمدت في عيني وأنا شايفة في نظرته نفس النظرة اللي كنت بهرب منها في عيون الناس، بس المرة دي كانت بتدبحني أكتر لأنها جاية من الشخص اللي وهبته حياتي.. وفجأة فريد بص لمامته وقال...
وفجأة فريد بص لمامته وقال بصوت حاد ومهزوز: "هي دي اللي كنتم بتقولوا لي إنها قمر؟ هي دي اللي وصفتوها لي إنها ست البنات؟ ليه خبيتم عني؟ ليه محدش قالي إنها..." وسكت، الكلمة وقفت في حلقه كأنها خنجر، بس نظرة عينيه كملت الجملة "إنها مشوهة".
الحزن اللي في قلبي اتحول لبرود مفاجئ، كأني كنت مستنية اللحظة دي وعارفة إنها جاية.

حماتي حاولت تلطف الجو وقالت بصوت واطي ومحرج: "يا فريد يا ابني، أمنية ست مفيش منها، دي شالتك في عينيا..." لكنه قاطعها وهو بيقوم من على السرير بعصبية، وكأنه مش طايق يقعد في مكان أنا موجودة فيه، وقال: "الأصل والجدعنة حاجة، وإنكم تخدعوني في شكل الست اللي هعيش معاها حاجة تانية خالص! أنا كنت أعمى يا أمي، مكنتش فاقد العقل!"
كل حرف نطق بيه كان بيمحي ذكريات الليالي اللي سهرتها جنبه، والمرات اللي كنت بسنده فيها وهو مش عارف يخطو خطوة واحدة من غيري. بصيت له ولقيت عينه اللي كنت بدعي ربنا تفتح، بقت هي السلاح اللي بيقتلني.
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي طلع هادي لدرجة أرعبتني أنا شخصياً: "أنا مخدعتكش يا فريد. أنا كنت جنبك بروحي، بصوتي، وبحنيتي اللي أنت كنت بتقول إنك محستش بيها مع حد قبلي.
البقع اللي أنت شايفها دي هي الحقيقة الوحيدة اللي أنت مش قادر تقبلها، بس الحقيقة الأكبر إنك لما كنت أعمى، كنت شايفني أحسن بكتير من دلوقتي وأنت مفتح."
فريد لف وشه الناحية التانية وهو بيزعق: "اطلعي بره يا أمنية.. اطلعي بره دلوقتي، مش عايز أشوف حد."
خرجت من الأوضة وأنا سامعة همسات أهله ونظرات الشفقة من الممرضات في الطرقة. مروحتش لبيت أهلي، لأني عارفة الرد اللي هيقولوه: "ما إحنا قولنالك مش هيعايرك لأنه مش شايف، أهو شاف وبقيتي عبء من تاني."
روحت بيتي، البيت اللي فريد عمره ما شافه بعينه، بس لمسته في كل ركن فيه. قعدت في الصالة وبصيت لإيدي تحت كشاف النور، وضحكت بوجع. اكتشفت إن "البهاق" مكنش هو المشكلة، المشكلة كانت في "العمى" اللي أصاب قلبه أول ما عينه شافت.
بعد يومين، جالي البيت.
كان لابس نضارة شمسية كأنه لسه مش متعود على الضوء، أو يمكن مكسوف يواجهني. قعد قدامي وسكت كتير، وبعدين قال بنبرة أهدى شوية بس لسه فيها قسوة: "أمنية، أنا مقدر وقفتك جنبي، بس أنا مش قادر أتجاوز الصدمة. أنا طول عمري بحلم باللحظة اللي هفتح فيها وأشوف الجمال اللي اتحرمت منه، مشوفش..."
قاطعته وأنا بمد له شنطة هدومه اللي كنت جهزتها: "متقولهاش يا فريد. الجمال اللي أنت بتدور عليه موجود في الصور والخيالات، بس اللي كان بيني وبينك كان حقيقي.. والظاهر إنك محتاج تفضل أعمى عشان تقدر تشوف الحقيقة دي."
سبته ومشيت، والمرة دي مكنتش خايفة من كلام أهلي ولا من نظرة المجتمع. لأول مرة أحس إن "البهاق" ده كان اختبار للي حواليا، مش ليا أنا. فريد خسر الست اللي كانت عينيه، وأنا كسبت نفسي اللي كنت ضايعة
وسط وجعهه

تم نسخ الرابط