نرمين عادل همام

الباب اللى اتقفل

لمحة نيوز

الباب اللي اتقفل بقلم نرمين عادل همام
في الليلة اللي ابني قالي فيها إني غير مرغوب فيّ في بيته، كنت واقفة قدام بابه ومعايا شنطة هدوم صغيرة، وكيس أدوية مليان مسكنات، ووجع رهيب في رجلي اليمين مش قادرة أسنده. 
كان ليل شهر نوفمبر البارد في التجمع، والمطر الخفيف مغرق الشوارع ومخلي ريحة الأسفلت والتراب المبلول مالية المكان. 
الكومباوند اللي ساكن فيه ابني هاني مع مراته شيرين كان شكله شيك أوي، جناين متنسقة، وإضاءة دافية، وعربيتين أحدث موديل مركونين قدام الفيلا. كان مكان ريحته فلوس ومنظرة على الهادي.
وصلت بعد الساعة 8 بالليل وأنا ساندة على عكازي. في اليوم ده، اتزحلقت على سلم عماراتي، والدكتور طمني إن مفيش كسر بس أكد عليا إني محتاجة أسبوع راحة تامة، لا حركة ولا طلوع سلم. وأنا أسانسير عمارتي كان بيعلق بمزاجه، وجاري الوحيد اللي كنت بأمن له كان مسافر.
اتصلت ب هاني مرتين قبل ما أتحرك، ماردش. بس كان عندي أمل ساذج إني أول ما أقف قدامه وأنا تعبانة وشاحبة وبتحرك بالعافية، هيفتح الباب ويقولي اتفضلي يا أمي، البيت بيتك. أنا مطلبتش منه حاجة من شهور، ومكنتش رايحة أعيش عنده

على طول، هما 7 ليالي بس. رنيت الجرس. 
قعدت مستنية كتير لحد ما الباب فتح، ولقيت هاني واقف قدامي لابس لبس كاجوال غالي وشكله كان متضايق كأني قطعت عليه خلوته. من وراه في المطبخ المودرن اللامع، كانت شيرين واقفة بتشرب عصير، ولا اتحركت من مكانها ولا رحبت بيا، ولا حتى اتفاجئت. كأنهم كانوا متوقعين اللحظة دي.. ومجهزين نفسهم للرفض.
ماما! هاني قالها وهو بيبص لشنطتي، إيه اللي جابك دلوقتي؟اتصلت بيك يا حبيبي، رديت وأنا بحاول أهدي صوتي، وقعت النهارده والدكتور قالي مينفعش أقعد لوحدي.. بقلم نرمين عادل همام
محتاجة أسبوع بس يا هاني، هقعد في أوضة الضيوف ومش هحسسكم بوجودي. نفخ بضيق، مكنش قلق عليا، كان زهق مني. من على السلم، شفت حفيدتي ليلى عندها 8 سنين، بتبص من ورا السور ببيجامتها الوردية وعينيها كلها تساؤل.
الوقت مش مناسب خالص يا ماما، هاني قالها ببرود يوجع. وبعدين رماها في وشي.. لا كان زعلان ولا منفعل، كان بيتكلم بجمود أصعب من الضرب.
إحنا مش جمعية خيرية يا ماما، مفيش مكان ليكي هنا. الكلمة مكنتش زي القلم، كانت زي السكين اللي بتقطع في صمت. ليلى نزلت خطوتين وقالت ببراءة
بابا.
. تيتة تعبانة. هاني حتى مابصش ناحيتها اطلعي أوضتك يا ليلى. ومن المطبخ، شيرين اتكلمت بحدة اسمعي كلام باباكي. محدش قالي اتفضلي استريحي، محدش ناولني بق مية، محدش حتى قال نشوف حل. بقلم نرمين عادل همام
بلعت وجعي، ولفيت ضهري ومشيت. على ما ركبت التاكسي، كان هاني قفل الباب خلاص. دموعي مانزلتش.. جمدت مكانه. لأني في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت للأبد. اللي هاني وشيرين مكنوش يعرفوه وهما راجعين لحياتهم المثالية.. إن الست اللي طردوها دي، هي اللي شايلة السقف اللي فوق راسهم. وفي الليلة دي بالذات..
قررت إني هغير كل الحسابات.
طريق الرجوع كان عبارة عن أنوار شوارع مبلولة وزحمة مابتخلصش. الدنيا حواليا كانت ماشية عادي، بس في الكرسي الوراني بتاع التاكسي، قلب الأم اللي كان حنين اتحول لصخر مابينكسرش. وصلت البيت بعد الساعة 9 وشوية، بواب العمارة ساعدني أطلع. جوه شقتي الصغيرة كل حاجة كانت زي ما هي.. مفرش السفرة، طبق الفاكهة، دقات الساعة. 
بس أنا مكنتش زي ما كنت. ليلتها مابكيتش، لأن الوجع لما بيبقى فوق الاحتمال بيموت الإحساس. الساعة 4 الفجر، مكنتش عارفة أنام من وجع رجلي ومن وجع قلبي.
قمت بصعوبة لمكتبي، ولعت النور، وطلعت دفتر قديم. أنا اشتغلت 27 سنة مُدرسة في مدرسة حكومي، وربيت هاني لوحدي تقريباً بعد وفاة والده حسن. ولمدة 11 سنة بعد وفاة حسن.. أنا إديت ابني كل حاجة أملكها. بعت بيت العيلة عشان أساعده يدفع مقدم فيلته الفاخرة. سهرت ليالي أربي ابنه الأول ياسين
. طبخت، ونضفت، وساعدت.. ومطلبتش أي حاجة في المقابل.
عمرك ما تحط حدود للأعطال، وعمري ما كنت متخيلة إني هقول لأ في يوم من الأيام. لكن في الصباح ده، سألت نفسي سؤالين أنا إديته إيه؟ وإيه اللي لسه مكتوب باسمي؟ والإجابة غيرت حياتي كلها.
فتحت دوسيه أحمر من مكتبتي، وجوا الدوسيه ده كانت الحقيقة المُرة. من سبع سنين، لما هاني بدأ يفتح شركة الشحن بتاعته، اتحايل عليا وطلب مني أفتح له قرض بضمان اسمي وتاريخي في البنك. 
هما 6 شهور بس يا ماما، وعدني وقتها، لحد ما الشركة تقف على رجليها وأقدر أسحب قروض باسمي أنا. 
صدقته.. لأن سجلي في البنك كان أبيض وزي الفل. لأني كنت أمه. ولأني وثقت فيه بجد. بس الست شهور بقوا سبع سنين. سبع سنين وهو بيستخدم اسمي.. وتعبي.. واستقراري المادي.. 
عشان يمول شغله.
عشان يعيش
 

تم نسخ الرابط