بقلم امانى سيد
ياسين ٢
في يوم، مابقتش قادر أسكت أكتر من كدة. سعاد كانت بتلم الأطباق، وياسين صوته مالي المكان وهو شغال بالمنشار جوه. قربت منها وصوتي بيترعش:
"سعاد.. أنا عارف إن رجوعي متأخر أوي، وعارف إن الـ 10 سنين اللي فاتوا مابيمتسمحوش بكلمة.. بس أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع بيت واحد تاني. الفيلا دي هبيعها، وهنبدأ هنا.. في بيتنا الأصلي اللي سيبته."
سعاد وقفت مكانها، مالتفتتش ليا. فضلت باصة للفراغ ثواني، وبعدين لفت ببطء. مكنش فيه دموع، كان فيه "قوة" غريبة مكنتش أعرف إنها عندها.
قالت بصوت رزين وثابت:
"إنت مابقتش غريب يا فؤاد، وإنت فعلاً بدأت ترجع لنفسك.. وده حاجة مفرحاني عشانك، وعشان ياسين اللي بقيت شايف في عينيه فخر بيك لأول مرة."
حاولت ألمس إيدها، بس سحبتها براحة وهي بتكمل:
"بس البيت اللي بتدور عليه مبقاش موجود.. إنت سيبت 'سعاد' اللي كانت مستنياك ورا الباب، والست اللي واقفة قدامك دلوقتي هي اللي بنتها السنين والوحدة والشقا. الست دي مش محتاجة 'راجل' يكملها، هي اكتفت بنفسها وبالراجل اللي ربته وبقى سندها."
قطعت كلامها وأنا بترجاها: "أنا اتغيرت يا سعاد.. والله العظيم اتغيرت."
ابتسمت بوجع وقالت:
"عارفة يا فؤاد.. وعشان كدة مش عايزة أظلم التغيير ده. إحنا خلاص بقينا ضفتين، والنيل جرى مابيننا سنين طويلة أوي. ياسين هو الحبل اللي بيربطنا، وهيفضل كدة، لكن أنا وأنت.
حطت إيدها على كتفي كأنها بتصبر صبي عندها في الورشة:
"خليك هنا يا فؤاد.. خليك جنب ابنك، اتعلم منه إزاي يكون للحاجة 'روح'، وإزاي يكون للكلمة أصل. ده المكان الوحيد اللي ليك فيه حق.. أما قلبي، فخلاص، قفلت ورشته وسلمت مفاتيحها لربنا ولراحة البال."
سابتني ومشت.. خطواتها كانت خفيفة، واثقة، ومابتتهزش. بصيت لياسين اللي كان مراقبنا من بعيد. قرب مني، طبطب على كتفي، وناولني "الفارة" وقالي بهدوء:
"شد حيلك يا هندسة.. عندنا تسليم أوردر مهم قبل الليل."
في اللحظة دي فهمت.. إنني رجعت "ابني"، ورجعت "نفسي"، بس خسرت "الست" اللي كانت هي الروح الحقيقية اللي ساندة كل الخشب ده.
قعدت على الأرض، وسط النشارة والتراب، وبدأت أشتغل.. كنت بنحت الخشب بدموعي، وأنا عارف إني هعيش بقية عمري في الورشة دي، بعمل عفش لبيوت الناس، وعارف إن بيتي أنا.. هيفضل ناقصه "الروح" اللي لا بتتباع ولا بتتشري بمال الدنيا كله.
مرت سنة كاملة.. سنة ماخرجتش فيها من المنطقة، كأنني بحاول "أتحبس" جوه الحقيقة عشان أنسى الزيف اللي عشته.
الورشة بقت هي "العالم". بقيت أصحى مع أذان الفجر، أفتح الأبواب الحديد، وأرش ميه قدام الورشة وأنا بستنى لمحة
في ليلة، الدنيا كانت بتمطر مطر خفيف، وياسين كان سافر يورد شغل في الساحل. كنت قاعد لوحدي في الورشة، شغال على "برواز" خشب أرو، كنت ناويه هدية لسعاد في عيد ميلادها.. كنت بحفر عليه "وردة بلدي" زي اللي كانت بتزرعها في بلكونتنا زمان.
سمعت صوت خطوات هادية ورايا.. ريحة القرفة والبخور سبقتها.
لفيت بلهفة، لقيتها واقفة بـ "شالها" الأسود، وماسكة في إيدها كوباية شاي سخنة.
"ياسين كلمني وقالي إنه هيتأخر.. قولت زمانك سقعان في البرد ده."
خدت منها الكوباية وإيدي لمست صوابعها لثانية.. سحبت إيدها بسرعة، بس المرة دي مكنتش "قاسية"، كانت "حزينة".
بصت للبرواز اللي في إيدي، وقالت بابتسامة باهتة:
"لسه فاكر الورد البلدي يا فؤاد؟"
رديت بكسرة: "أنا نسيت نفسي يا سعاد، بس مانسيتش ولا تفصيلة عشتها معاكي.. الوردة دي هي الحاجة الوحيدة الحقيقية اللي عملتها في حياتي."
سعاد بصت للورشة، للمريلة اللي غرقانة تراب، ولإيدي اللي بقت شبه إيدين العمال.. وقالت كلمة خلت قلبي يتنفض:
"إنت بقيت شبهنا أوي.. ريحتك بقت 'خشب'.. مابقتش ريحة غريب."
قربت منها خطوة: "طب والروح يا سعاد؟ الروح اللي قولتي
سكتت شوية، وعينها لمعت بدموع دارتها بسرعة:
"الروح مابترجعش يا فؤاد.. الروح 'بتتخلق' من جديد. بس اللي بينا دلوقتي مش حب.. اللي بينا 'عشرة' وأصل.. وإنت يا ابن الناس صونت الأصل لما رجعت لورشة أبوك."
طلعت من جيبها "مفتاح" قديم، مربوط بشريطة قماش، وحطته على البنك وسط النشارة.
"ده مفتاح أوضة الضيوف اللي فوق.. الجو برد، ومبقاش يصح تقعد في لوكاندة وياسين مش هنا. الورشة بيتك، والبيت بيتك.. بس كل واحد فينا ليه 'دنيته' يا فؤاد. افطر معانا، واتغدى معانا، وكون الأب اللي ياسين محتاجه.. بس سيبني أعيش اللي فاضل من عمري في هدوئي اللي بنيته."
سعاد سابت المفتاح ومشت، وأنا فضلت واقف مكاني. بصيت للمفتاح، وبصيت للبرواز اللي لسه ماخلصش.
عرفت إنها مش هترجع "حبيبتي"، ولا "مراتي" بالمعنى القديم.. بس هي ادتني "الأمان".
مسكت "الأزميل" وكملت حفر في الوردة.. كنت بضحك وبدمع في نفس الوقت.
أنا خسرت "نيرة" وفيلاتها، وخسرت قلب "سعاد" اللي كان ملكي زمان.. بس كسبت "غفرانها".
ومع كل دقة شاكوش، كنت بحس إن "فؤاد المهندس" مات فعلاً، ومكانوش "فؤاد النجار".. الراجل اللي لقى نفسه وسط الخشب، وعاش اللي فاضل من عمره "صبي" في مدرسة الست اللي مكسرتوش، لكنها علمته يعني إيه "أصل".
طلعت وقفت قدام باب الورشة، شميت ريحة المطر مع الخشب، وبصيت للسما.. كنت وحيد، بس لأول مرة