بقلم امانى سيد

ياسين ٢

لمحة نيوز

نزلت من الفيلا في نص الليل، نيرة كانت نايمة ولا دريانة بالزلزال اللي هد جدراني. سقت العربية لغاية منطقتنا القديمة.. المنطقة اللي كنت بشوفها "خنق" وهروب لبرستيجي. ركنت بعيد، ومشيت على رجلي وسط الشوارع الضيقة اللي لسه ريحتها "حياة".
وقفت قدام البيت القديم، البيت اللي سيبت فيه سعاد وهي لسه في عز شبابها، شايلة هم طفل ورشة ومستقبل أنا قررت إنه مش مقامي. بصيت على الشباك اللي كان دايماً منور عشاني.. لقيته مطفي، بس ريحة "البخور" اللي كانت نيرة بتقول عليها "شعبية" كانت طالعة من البلكونة، بتغسل صدري من ريحة الرخام البارد.
فجأة، باب الورشة اللي تحت البيت اتفتح ببطء.
خرجت هي.. سعاد.
كبرت يا سعاد، بس لسه فيكي نفس الهيبة. كانت لابسة شال تقيل فوق لبس البيت، وماسكة في إيدها كوباية شاي، قعدت على الكرسي الخشب القديم قدام باب الورشة، وبصت للسما بتعب مخلوط برضا.
قلبي دق خبطات مسموعة، كنت عايز أجري عليها، أرتمي تحت رجلها وأقولها: "البرفان والرخام والشركات طلعوا سراب يا سعاد.. أنا جيت آخد شوية أمان".
بس رجلي كانت متسمرة. شفت "ياسين" خارج وراها، قلع المريلة الجلد، وقعد تحت رجلها على الأرض، ساند راسه على ركبتها وهي بتمسح على شعره بإيدها اللي شقيت معاه.
المنظر ده كان "السكينة" اللي كملت على الباقي مني. سعاد اللي كنت فاكر إنها "غلبانة" ومن غيري هتضيع، هي اللي

بنت الراجل ده. هي اللي شربته "صنعة" الجد، وعلمته إن الكرامة أهم من رزمة فلوس في البنك.
ياسين بص ناحية الشارع، حسيت إنه شافني. عينيه جت في عيني للحظة وسط الضلمة، بس لَف وشه الناحية التانية بهدوء وكأنه شاف "خيال" ملوش وجود، وكمل كلامه مع أمه.
طلعت محفظتي، طلعت "الفيزا" الكارت اللي كنت فاكره بيمحي أي وجع، وكسرته ميت حتة ورميته في الزبالة اللي في ركن الشارع. أنا ماليش مكان هنا، ولا ليا حق أدخل "الجنة" دي بعد ما حرقتها بإيدي.
ركبت عربيتي، بس المرة دي مروحتش الفيلا. ركنت على الكورنيش وفضلت باصص للنيل.. كنت مشتاق لسعاد شوق ملوش دوا، شوق للست اللي كانت بتعرف تداوي جروحي من غير ما أسأل، والنهاردة أنا اللي جرحتها جرح ملوش علاج.
فتحت الموبايل ومسحت رقم نيرة.. ومسحت صور "المهندس فؤاد" العظيم.
قررت إني بكرة هروح الورشة، بس مش كأب ولا كمهندس.. هروح كـ "صبي" عايز يتعلم من ابنه إزاي يكون "راجل"، وإزاي يفرق بين "الخشب الأصلي" وبين "القشرة" اللي بتلمع من بره ومن جوه مفيش.
.نزلت من العربية مع أول ضوء للشمس، والشارع لسه بيصحى. وقفت قدام باب الورشة، كان "ياسين" لسه بيفتح الأقفال الحديد بصوت مجلجل كأنه بيعلن بداية يوم جديد من الشقا الحلال.
أول ما شافني، وقف مكانه. ملامحه ماتهزتش، ولا بان عليه غضب ولا لهفة. بص لإيدي اللي كانت بتترعش وهو بيسحب "النهج" الخشب
من مكانه، وقال بصوت واطي بس حاد:
"إنت لسه هنا يا هندسة؟ افتكرتك زمانك في مكتبك المكيف دلوقتي، بتراجع حسابات المكسب والخسارة."
بلعت ريقي بصعوبة، وقربت خطوة.. ريحة الخشب كانت بتغسل روحي.
"أنا جيت أخسر يا ياسين.. جيت أخسر 'فؤاد' اللي إنت عرفته، وأدور على 'فؤاد' اللي كان بيحب الخشب زيك."
ياسين سكت، وبدأ يرص العدة على البنك بمنتهى النظام. مسك حتة خشب "زان" وبدأ يمسحها بيده بحنان، نفس الحنان اللي كانت "سعاد" بتمسح بيه على وشي لما كنت برجع تعبان.
الشوق لسعاد في اللحظة دي كان بيقطع في قلبي. كنت عايز أسأله: "هي لسه بتحط عود قرفة في الشاي؟ لسه بتدعي لي وهي بتصلي الفجر؟" بس لساني كان مربوط.
"ياسين.. أنا عايز أقف هنا. مش عايز شيكات، ولا عايز حصة في الجاليري. أنا عايز أمسك 'الفارة' دي، وأتعلم إزاي أطلع 'الروح' من الحطب زي ما إنت عملت."
ياسين بص لي نظرة طويلة، نظرة "خبير" بيفحص خشب مغشوش. وبعدين طلع من جيبه مريلة جلد قديمة، ومقطوعة من الجنب، وراها لي وهو بيقول:
"دي مريلة جدي.. اللي إنت قولت عليه نجار ومستواه مش من مقامك. لو تقدر تلبسها وتستحمل ريحة العرق والنشارة، وتنسى إنك صاحب شركات.. يبقى اتفضل. بس خلي بالك.. الخشب مابيجاملش، واللقمة اللي هتاكلها هنا، تمنها 'حفر' في إيدك قبل ما يكون فلوس في جيبك."
مديت إيدي وخدت المريلة كأني بستلم وسام. لبستها،
وحسيت بتقل "تاريخ" أنا هربت منه سنين.
في اللحظة دي، شفت "سعاد" نازلة من البيت وفي إيدها صينية الفطار. وقفت لما شافتني.. الصينية كانت هتقع من إيدها، وعينيها اتملت بكلام كتير، عتاب ووجع وشوق مستخبي ورا سنين الحرمان.
مقدرتش أنطق، وطيت راسي وبدأت "أصنفر" حتة الخشب اللي قدامي بكل قوتي، كأني بصنفر "القشرة" الزيف اللي غطت قلبي طول العشر سنين اللي فاتوا.
ياسين قرب من أمه، وباس إيدها وقال لها بصوت مسموع:
"افطري يا ست الكل.. النهاردة فيه 'صبي' جديد في الورشة، محتاجين نعلمه الأصول من أول وجديد."
سعاد بصت لي، وابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها "كسرة" بس فيها "أمل".
وأنا.. لأول مرة من سنين، شميت ريحة نفسي، وحسيت إن "ثمرة الخشب" بدأت تطلع في قلبي من تاني.
مَرّت الأيام في الورشة، وإيد "المهندس فؤاد" اللي كانت مابتلمسش غير الورق والشاشات، اتعودت على خشنة "الصنفرة" وتشققات الجلد. كنت بضغط على نفسي في الشغل لدرجة التعب، وكأني بقول لنفسي إن الوجع ده هو التمن اللي لازم أدفعه عشان أغسل ذنبي.
"سعاد" كانت بتنزل كل يوم بصينية الفطار، تحطها في سكات، تبتسم لياسين ابتسامة صافية، وتبص لي بصه "هادية".. هدوء كان بيقتلني أكتر من الزعيق. كنت بدور في عينيها على ريحة عتاب، على بواقي حب قديم، حتى على شرارة غضب تخليني أعرف أتأسف.. بس ملقيتش غير "سلام" غريب، سلام الست اللي شافت
وجع كبير وقدرت تعديه وتنتصر عليه.

تم نسخ الرابط