كامله
هدوم ابنى المتوفى ٢
أمه لوت بوزها وقالت بعنجهية:
"جرى إيه يا واد؟ أنا جاية أصلح اللي بوظته مراتك! سارة محتاجة السرير، وأنت دافع فيه دم قلبك، ليه يترمي؟ ابعد يا أحمد وخلي الرجالة تشوف شغلها."
أحمد صرخ فجأة صرخة هزت النجف في السقف:
"الرجالة تخرج بره!"
العمال خافوا وسحبوا نفسهم وخرجوا من الباب جري، والبيت فضل فيه "أهل البيت" بس. أحمد لف لسارة اللي كانت بتستخبى ورا حماتها، وقالها بنبرة تقطر سم:
"إنتي يا سارة.. إنتي دخلتي بيتي في غيابي عشان تسرقي وجع مراتي؟ إنتي فاكرة إن مريم مكسورة فملهاش ضهر؟"
سارة ردت بلجلجة:
"أنا.. أنا الحجة اللي قالت لي، وقالت إنك موافق.."
أحمد بص لأمه بوجع وكسرة:
"وافقت على إيه يا أمي؟ وافقت إنك تكسري مراتي في أغلى ما تملك؟ آدم ده كان ابني أنا كمان! حتة مني ومنها! إزاي هان عليكي تعملي فينا كدة؟"
الحماة زعقت:
"عشان خايفة عليك! خايفة تفضل عايش في بيت مسكون بريحة العيال اللي مابتيجيش! الأوضة دي لازم تفضى عشان تعيشوا حياتكم، والسرير ده حق أخوك!"
أحمد بصلها وقال بكلمات زي الرصاص:
"حق أخويا في مالي، في أكلي، في شربي.. لكن مش في كفن ابني! السرير ده مريم نقت خشب حتة حتة، والهدوم دي هي اللي كانت بتصبرني على تعب الشغل لما أتخيل ابني لابسها. الأوضة دي مش هتتفتح، والنهاردة يا أمي، إنتي وسارة خرجتوا من حساباتي لحد ما تعرفوا قيمة مريم وقيمتي."
سارة بدأت تولول:
"بتطردنا يا أحمد؟ بتطرد أمك عشان خاطر
أحمد فتح الباب على وسعه وشاور بإيده لبره:
"المجنونة دي هي اللي صانتني وصانت بيتي، وإنتي اللي جيتي تخربي. اتفضلي يا سارة.. ويا أمي، لما تحسي إنك قادرة تحترمي وجعنا، بيتي مفتوح لك، لكن غير كدة، ريحة آدم في البيت ده أغلى عندي من أي حد."
خرجوا وهما بيتحسبنوا وبيصرخوا في السلم، وأحمد قفل الباب وبص لمريم. السكينة وقعت من إيدها على الأرض ورنت رنة حزينة. وانهارت، كانت بتشهق كأن روحها بتطلع:
"كانوا عايزين ياخدوا ريحته يا أحمد.. كانوا عايزين يفرشوا ذكراه تحت ابنها وهي بتضحك.. ليه بيعملوا فيا كدة؟"
"حقك عليا يا مريم.. حقك عليا يا بطلة. الأوضة دي هتفضل كدة، وهنجيب هدوم تانية، وسرير تاني، وهنملا البيت ده عيال بإذن الله، بس 'آدم' هيفضل هنا.. في قلوبنا وفي أوضته، ومحدش هيقدر يلمس ذكراه طول ما أنا فيّ نَفَس."
مريم بصت للسرير، وفجأة حست بسلام غريب، كأن روح آدم كانت بترفرف في الأوضة وبتشكرها إنها دافعت عن مملكته الصغيرة.
مرت الأيام، وبدأ البيت يستعيد هدوءه الحزين، لكنه كان هدوءاً فيه احترام للوجع. أحمد وفى بوعده، وقفل الأوضة وما سمحش لأي مخلوق يفتح السيرة دي تاني، لدرجة إنه غير كالون الباب والشقة، وقطع أي وسيلة ممكن سارة أو أمه يدخلوا بيها في غيابه.
لكن "سارة" مكنتش من النوع اللي يسكت، الغيرة كانت بتاكل قلبها؛ مش عشان محتاجة السرير، لكن عشان مريم قدرت تكسر
"شفتي يا حجة؟ مريم خلت ابنك يطردنا! بكره الأوضة دي تبقى سكن للملايكة والجن، وابنك يفضل عايش في العتمة لحد ما يكره حياته. والهدوم اللي بالتيكت بتاعها، بكره العتة تاكلها ولا حد يستنفع بيها."
في يوم، مريم كانت قاعدة بتصلي، وحست بتعب مفاجئ.. دوخة تقيلة وغممان نفس. في البداية خافت، افتكرت إن الوجع النفسي بدأ يهد جسمها، لكن لما الموضوع تكرر، طلبت من أحمد يوديها للدكتور.
في العيادة، كان الخوف سيد الموقف. مريم كانت ماسكة في إيد أحمد وبترتعش، خايفة تسمع كلمة "مفيش" تاني. الدكتور كشف بطلة هادية، وفجأة ابتسم وقال الجملة اللي خلت الدنيا تلف بيهم من الفرحة:
"مبروك يا مدام مريم.. إنتي حامل، وفي الشهر التاني كمان."
أحمد دمع من الفرحة، ومريم سجدت في مكانها بتشكر ربنا. لكن الفرحة كانت ممزوجة بخوف مرعب؛ هل هيتكرر اللي حصل؟
لما الخبر وصل للحماة وسارة، الدنيا اتقلبت. الحماة فرحت لأنها "عايزة حفيد"، لكن سارة الخبث ملا قلبها. راحت لمريم تدعي إنها جاية تبارك، وقالت لها بكلمة مسمومة:
"مبروك يا مريم.. أهو ربنا عوضك. ودلوقتي بقى، ملوش لازمة "السرير القديم" ولا الهدوم القديمة. التشاؤم وحش يا حبيبتي، والقديم بيجيب النكد للجديد. هاتي بقى الحاجة وسعي للبيبي اللي جاي، وأنا كدة كدة قربت أولد، وسيف أولى
مريم بصت لها ببرود غريب، وبصت لبطنها، وقالت بصوت واثق:
"السرير ده يا سارة، والهدوم دي، هيلبسهم أخو آدم. السرير ده مكنش شؤم، ده كان اختبار لصبري، والهدوم دي هي أول حاجة ابني الجديد هيلمسها عشان يعرف إنه كان ليه أخ مستنيه فوق. ريحة آدم هي اللي هتبارك في المولود الجديد."
سارة وشها اسودّ، وفهمت إن مريم "عضمة ناشفة" ومحدش هيقدر يكسرها تاني.
ومرت الشهور، ومريم مهتمة بصحتها وبصلاتها، وأحمد شايلها من على الأرض شيل. ويوم ولادة مريم، البيت كله كان على أعصابهم. ولدت مريم بسلام، وطلع صوت بكاء "يحيى" ليملا البيت حياة من تاني.
أول ما مريم رجعت البيت، طلبت من أحمد يفتح "أوضة آدم". دخلت مريم وشالت يحيى وحطته في السرير اللي سارة كانت هتموت عليه، ولبسته السالفيت اللبني اللي كانت بتشمه كل يوم.
بصت لأحمد وقالتله بابتسامة صافية:
"شوفت يا أحمد؟ آدم مسابناش.. آدم سابلنا مكانه للي يونسنا. والسرير اللي كان 'عفش مركون'، بقى هو حضن الأمان لأخوه."
في اللحظة دي، خبطت سارة والبهتان على وشها وهي شايلة ابنها سيف اللي لبسه كان أقل بكتير من لبس يحيى. مريم استقبلتها بابتسامة نصر حقيقية، وضيفتهما، بس مسمحتش لسارة تقرب من الأوضة.
عاشت مريم تربي يحيى، وحكايتها بقت درس لكل حد بيحاول يسرق فرحة غيره أو يستغل وجعهم. والبيت اللي كان "حي شعبي" بسيط، بقى عنوان للوفاء والقوة، وبقت "أوضة آدم" هي الركن الدافي اللي بيحكي قصة
تمت