كامله

هدوم ابنى المتوفى ٢

لمحة نيوز

ساد الصمت في الصالة، صمت تقيل لدرجة إن مريم كانت سامعة دقات قلبها المكسور. "سارة" لفت وشها الناحية التانية وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وأحمد فضل مكانه كأنه تمثال من ملح، لا عارف يرضي مراته المقهورة ولا عارف يصد طمع أهله.
مريم كانت لسه ساندة ضهرها على باب الأوضة، ضامة المفتاح في إيدها لدرجة إن سنانه علمت في كفها. بصت لحماتها اللي كانت قاعدة بتسبح ببرود وقالتلها:
"يرضيكي يا ماما؟ يرضيكي ابني لسه مالحقش يدفى في قبره، وسارة جاية تقسم ورثه وهو لسه مجاش الدنيا؟"
الحماة نزلت السبحة وبصت لمريم بنظرة خالية من الحنية:
"يا بنتي سارة مش قصدها، هي بس بتفكر في الوفر، والسرير ده غالي، وأخو أحمد أولى بيه من الغريب.. وبعدين الحاجة لما بتفضل مركونة بتجيب النكد، وإحنا عايزينك تنسي يا مريم."
مريم ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع:
"أنسى؟ هو أنا نسيت شربات فرحي عشان أنسى ضنايا؟ الحاجة دي مش هتخرج من هنا.. واللي هيمد إيده على باب الأوضة دي، هعتبره بيمد إيده على جـ,ـثة ابني."
سارة قامت وقفت بعصبية وهي بتعدل طرحتها:
"خلاص يا اختي، اشبعي بيهم! بكره لما العفش يربي تراب وتندمي إنك مديتهوش لابن عم آدم، ابقي افتكري إني كنت عايزة مصلحتك. يلا يا أحمد يا أخويا، شكلنا ملناش مكان هنا وسط (القلوب السودا)."
أحمد مشي وراهم لحد الباب عشان يطيب خاطرهم، والبيت فضي فجأة ماباقيش فيه غير مريم وعتمة الصالة. دخل أحمد وقفل الباب وراه، وبص لمريم اللي لسه قاعدة مكانها:
"ليه كدة

يا مريم؟ ليه تصغري عيلتي قدام الناس؟ سارة غشيمة، بس كان ممكن تقولي لها بوقته يا مريم، مش تفضحينا."
مريم قامت وقفت بصعوبة، وسندت على الحيطة:
"الفضيحة هي إنك وافقتهم يا أحمد. الفضيحة إنك مستنيتش حتى أسبوع يمر. إنت كنت بتشتري السرير ده معايا، كنت بتنقي اللون.. نسيت؟"
أحمد زعق بوجع هو كمان:
"مانسيتش! بس أنا مش قادر أبص للأوضة دي! كل ما بمر من جنبها بحس بسـ,ـكينة بتقطع في قلبي. كنت عايز أخلص من الوجع يا مريم، كنت عايز الأوضة تفضى عشان أقدر أتنفس!"

"الوجع مش في الأوضة يا أحمد، الوجع هنا.. جوه. والأوضة دي مش هتفضى، الأوضة دي هتفضل مقفولة لحد ما ربنا يأذن. ولو مش قادر تعيش في بيت فيه ذكرى ابنك، يبقى إنت اللي تخرج، مش هدومه وسريره."
دخلت مريم الأوضة وقفلت على نفسها بالمفتاح، لأول مرة من يوم الجنازة. قعدت وسط الكراتين، وفتحت كيس صغير كان فيه "سالفيت" صغير لونه لبني. شمته بكل قوتها.. كانت ريحته لسه فيها ريحة لبس جديد، وريحة أمل مالحقش يكمل.
نامت مريم على الأرض جنب السرير الفاضي، وهي بتحلم إن "آدم" بينادي عليها. وفي نص الليل، سمعت خبط هادي على الباب. كان أحمد.. صوته كان مكسور وهو بيقول من ورا الباب:
"مريم.. افتحي يا مريم. حقك عليا.. أنا كنت عاجز زيك، بس غباوتي سبقتني. افتحي ومحدش هيلمس حاجة آدم طول ما أنا عايش."
فتحت مريم الباب ببطء، وشها كان غرقان دموع بس نظرتها كانت حادة زي الموس. بصت لأحمد اللي كان ساند راسه على الحيطة ومنهار، وقالتله
بصوت واطي ومرعب:
"الكسرة اللي في قلبي يا أحمد مش بس عشان ابني اللي راح.. الكسرة عشان حسيت لدقيقة إنك 'بعت' ريحته عشان ترضي أخوك ومراته. آدم مكنش عفش زيادة في البيت يا أحمد، آدم كان روح سكنت فيا تسع شهور."
أحمد دخل الأوضة ووقع على ركبه قدام السرير الفاضي، ومسك في خشب السرير وهو بيعيط بحرقة:
"غلطت يا مريم.. كنت بهرب من وجعي لدرجة إني مخدتش بالي إني بدوس على وجعك. سامحيني.. والله العظيم ما حد هيلمس خيط من هدومه."
عدى يومين، والهدوء اللي سكن البيت كان هدوء "ما قبل العاصفة". مريم مكنتش بتسيب مفتاح الأوضة من إيدها، لدرجة إنها بقت بتعلقه في رقبتها بخيط متين. وفي يوم، أحمد نزل الشغل، ومريم كانت في المطبخ بتعمل حاجة تشربها، وسمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
افتكرت إنه أحمد رجع نسي حاجة، بس الصدمة كانت لما لقت "حماتها" ومعاها "سارة" ومعاهم راجلين شغالين في نقل العفش!
مريم خرجت من المطبخ وهي مذهولة:
"إيه ده؟ إيه اللي بيحصل هنا؟"
سارة ردت ببرود وهي بتشاور للعمال على أوضة آدم:
"بصوا يا رجالة.. الأوضة اللي هناك دي، السرير يتفك بالراحة، والكراتين دي تطلع على العربية برا. ومتقلقوش، الحجة (حماتها) هي اللي طلبت، وده بيت ابنها وهي حرة فيه."
مريم وقفت قدام باب الأوضة وسدت الطريق بجسمها كله، وصرخت بصوت زلزل البيت:
"والله ما حد هيقرب! إنتي جاية تسرقي البيت وجوزي مش موجود؟ جاية تاخدي حاجة ابني بالغل وبوضع اليد؟"
الحماة قربت منها وقالت بنبرة قاسية:
"
احمد ابني مش هيقدر يواجهك يا مريم، وأنا قولت أخلص الموضوع ده بمعرفتي. الواد مات وشبع موت، والحاجة دي بفلوس ابني، وسارة أولى بيها. ابعدي من طريق الرجالة بدل ما نتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك."
سارة ضحكت بانتصار وقالت للعمال:
"يلا يا رجالة.. وسعوها إنتوا بالذوق، إحنا مش جايين نلعب."
واحد من العمال قرب عشان يزيح مريم من قدام الباب، لكن مريم في لحظة جنون ووجع، سحبت سـ.ـكينة المطبخ اللي كانت في إيدها ورفعتها في وشهم وهي بتترعش كأنها بتموت:
"اللي هيقرب خطوة واحدة من الأوضة دي، هقسم بالله هكون قاتلة أو مقتولة النهاردة! ريحة ابني مش هتخرج من هنا إلا على جثتي!"
العمال رجعوا لورا بخوف، وسارة صرخت:
"يا مصيبتي! دي اتجننت! دي عايزة تقتلنا يا حجة!"
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل أحمد.. بص للمشهد والسكينة في إيد مريم، وأمه وسارة والعمال في وسط الصالة. عينيه اسودت بطريقة مرعبة، وبص لأمه وقال بنبرة مسموعة لآخر الشارع:
أحمد كان واقف في مكانه والذهول شلّ حركته، بص لمريم اللي كانت بتنتفض وهي ماسكة السكينة، وبص لأمه وسارة والعمال اللي واقفين كأنهم في غارة مش في بيت ابنهم.
سارة أول ما شافت أحمد، حاولت تلعب دور الضحية بسرعة وصرخت:
"إلحق يا أحمد! مراتك كانت هتدبحنا! إحنا جايين بالذوق نلم الشمل ونريحها من غمة الأوضة، قامت رفعت علينا السلاح! دي مش طبيعية يا أحمد، دي خطر على الكل!"
أحمد مشي خطوات هادية ناحية مريم، ممدش إيده ياخد السكينة، لكن وقف 
"الرجالة
دي تخرج بره يا أمي.. دلوقت فوراً."

تم نسخ الرابط