كامله

هدوم ابنى المتوفى

لمحة نيوز


نظرات "سارة" كانت بتنتقل بين مريم وبين باب الأوضة بجشع، وكأنها مش شايفة قدامها أم مكلومة، دي شايفة "مصلحة" وسرير مستورد مريم دفعت فيه دم قلبها.
أحمد حاول يقرب من مريم تاني، ووطى لمستواها على الأرض وقال بصوت مهزوز:
"يا مريم، اهدي يا حبيبتي.. أنا بس قولت سارة حامل وفي ظروف صعبة، والحاجة دي هتتعب أعصابك كل ما تشوفيها، كنت عايز أشيل من عليكي الهم.."
مريم رفعت راسها وبصت له نظرة خلت الكلمة تتحجر في زوره، نظرة فيها خيبة أمل سنين:
"الهم يا أحمد؟ أنت فاكر إنك لما تفرغ الأوضة هتمسح الوجع من قلبي؟ السرير ده أنا اللي كنت بلمعه كل يوم وأنا بكلم آدم وهو في بطني.. الهدوم دي أنا اللي كنت بغسلها بمنعم أطفال وأشمها وأنا بتخيل ريحته فيها. أنت بكل بساطة عايز تهادي بيها "سارة" اللي مكسرتش خاطر بنتي ولا مرة؟"
سارة لفت وشها الناحية التانية وقالت بلؤم:
"خلاص يا أحمد، سيبها.. بكرة لما الحاجة تعفن والعتة تاكلها هتعرف إن كلامي كان صح.

بس يا ريت تفتكروا إني كنت بمد إيدي بالخير."
في اللحظة دي، مريم قامت وقفت بصعوبة، وسندت على الحيطة، وطلعت مفتاح الأوضة من جيبها. الكل سكت، وسارة عينيها لمعت بانتصار، افتكرت إن مريم استسلمت وهتفتح الأوضة تديها اللي عايزاه.
مريم فتحت الباب.. الهوا اللي خرج من الأوضة كان فيه ريحة "بيبي"، ريحة بودرة أطفال ونضافة. الأوضة كانت مترتبة لدرجة توجع القلب؛ السرير المدهون أبيض وفوقه الناموسية الرقيقة، والكرسي الهزاز اللي مريم كانت ناوية ترضع عليه آدم، واللوحة اللي مكتوب عليها "Welcome Adam".
مريم دخلت، والكل واقف على الباب بيراقب. راحت ناحية الدولاب الصغير، فتحته، وطلعت منه "أطقم" خروج صغيرة أوي، كانت منقية ألوانها بعناية. لفت ليهم وقالت بصوت ميت:
"عايزة الهدوم يا سارة؟"
سارة قدمت خطوة وقالت بلهفة:
"أيوه يا حبيبتي، والسرير بالمرة لو أحمد يفككه ويجيبه.."
مريم مسكت طقم أزرق فاتح، كان مرسوم عليه فيل صغير، وبصت له بابتسامة تترسم
على الوجع، وفجأة، وبكل قوتها، مسكت الطقم وقطعته نصين!
الكل شهق بصدمة. مريم مأكتفتش بكده، بدأت تطلع الهدوم واحد ورا التاني، وتقطعهم بضوافرها وبسنانها وهي بتصرخ بهستيريا:
"عايزة تلبسي ابنك هدوم آدم؟ خدي! خدي هدومه أهي! آدم مالبسش الهدوم دي، ومحدش غيره هيلبسها. الهدوم دي ولدت وماتت معاه.. السرير ده هيتكسر ميت حتة ويترمي في الزبالة ولا إن ابنك ينام عليه وإنتي كنتي مستنية اللحظة اللي آدم يموت فيها عشان توفري تمن جهازه!"
أحمد جرى عليها  وهو بيحاول يشيل الهدوم المقطعة من إيدها:
"مريم! إنتي بتعملي إيه؟ حرام عليكي نفسك!"
مريم زقته وهي بتنهج بوجع:
"الحرام هو اللي إنت كنت عايز تعمله! الحرام إنك استكترت على ابني اللي مشافش الدنيا إن حاجته تفضل شاهدة على وجوده. سارة مش هتاخد خيط واحد.. اخرجوا بره! بره!"
حماة مريم دخلت في النص وقالت بحدة:
"جرى إيه يا بت إنتي؟ إنتي اتجننتي؟ الحاجة دي بفلوس ابني، وله حق يتصرف فيها.."
مريم
لفت لحماتها وبصت لها بقوة:
"واللي في بطني ده كان حفيدك يا حاجة.. كنت مستنية أسمع منك كلمة مواساة، مش جاية تقسمي 'التركة' قبل ما أربعين الواد تطلع. الفلوس اللي أحمد دفعها، أنا هدفعها له تمن حريتي، لكن ريحة ابني محدش هياخدها يتاجر بيها."
سارة شافت إن مريم قلبت الدنيا، فخافت من شكلها ومن الانهيار اللي هي فيه، سحبت شنطتها وقالت وهي خارجة:
"دي ولية مجنونة يا أحمد.. الله يكون في عونك. أنا مش عايزة حاجة، ربنا يسترها على اللي في بطني من العين دي."
خرجوا كلهم، والبيت فضي.. مفضلش فيه غير مريم، وأحمد اللي واقف مذهول في نص الأوضة، والهدوم المقطعة اللي ملت الأرض زي أحلام مريم اللي اتهدت.
مريم قعدت في نص السرير بتاع آدم، ولمت الهدوم المقطعة في حضنها، وبدأت تهز نفسها وتغني بصوت واطي ومبحوح:
"نام يا حبيبي نام.. محدش هيلمس حاجتك.. نام يا آدم."
أحمد قعد تحت رجليها وبدأ يعيط لأول مرة بجد، حس إنه دبحها مرتين؛ مرة لما فقدوا ابنه،
ومرة لما هان وجعها قدام أهله

تم نسخ الرابط