كامله
هدوم ابنى المتوفى
سلفتي عايزة تاخد هدوم ابني وسريره اللي مات في بطني يوم عزاه "
شقة هادية في حي شعبي من أحياء القاهره، كانت “مريم” واقفة قدام أوضة صغيرة، ماسكة في إيدها مفتاح، وقلبها بيدق بطريقة غريبة. الأوضة دي كانت المفروض تبقى بداية حياة… لكن بقت ذكرى مؤلمة عمرها ما هتنساها.
مريم وجوزها “أحمد” كانوا عايشين حياة بسيطة، بس مليانة حب. لما عرفت إنها حامل، الدنيا اتغيرت. بقى لكل حاجة معنى. كل تفصيلة بقت محسوبة: لون الحيطة، شكل السرير، الهدوم الصغيرة اللي كانت بتشتريها وهي مبتسمة، وتحطها على خدها كأنها بتحـ,ـضن ابنها قبل ما ييجي.
اختاروا اسم “ادم”… اسم مختلف شوية، بس أحمد كان بيحبه، ومريم وافقت وهي بتضحك:
“المهم ييجي بالسلامة… وأسميه أي حاجة.”
الشهور عدت بسرعة، وكل يوم كان بيقربهم من الحلم. لحد الأسبوع الرابع والثلاثين… اليوم اللي قلب كل حاجة.
مريم صحيت الصبح حاسة إن في حاجة غلط. الحركة اللي كانت بتطمنها كل يوم اختفت. حاولت تقنع نفسها إن ده طبيعي… بس القلق كان بيكبر جواها. راحت المستشفى مع أحمد، وقلبها بيرجف.
لحظات الفحص كانت أطول من عمر كامل… وبعدين الدكتور قال الجملة اللي كـ,ـسرت روحها:
“أنا آسف… مفيش نبض.”
الدنيا سكتت. الصوت اخـ,ـتفى.
ولدت “ادم”… لكن بدون صوت بكاء. بدون حياة.
رجعوا البيت شايلين صندوق صغير… بدل طفل كانوا مستنيينه بكل حب. الأوضة اللي كانت مليانة ألوان وضحك، بقت فجأة تقيلة… مخيفة… صامتة.
مرت أيام الجنازة ببطء قاتل. وكل ركن في البيت كان بيحكي حكاية ناقصة.
بعد أسبوع، العيلة كلها جت تعزيهم. مريم كانت قاعدة في الصالة، عينيها زايغة، مبتسمعش ولا شايفة. لحد ما صوت سلفتها “سارة” قطع الصمت
سارة قعدت جنب مريم، وحطت إيدها على كتفها بتمثيلية حزن بايخة، وقالت بصوت مسموع لكل اللي قاعدين:
"يا مريم يا حبيبتي، البقاء لله، وده حال الدنيا.. بس يعني يا حبيبتي إنتي لسه صغيرة، والحي أبقى من الميت. أنا قولت يعني عشان نخرجك من الحالة دي، وعشان الحاجة اللي مركونة دي متفكركيش بالوجع وتجدد عليكي الأحزان.. أنا هاخد السرير والهدوم اللي جبتيها لآدم الله يرحمه."
مريم رفعت عينيها ببطء، كأنها بتستوعب الكلام اللي بيخترق ودنها. سارة كملت ببرود وعينها بتلمع بطمع:
"أنا فاضلي شهر وأولد، وإنتي عارفة الظروف، وأحمد أخو جوزي يعني ومفيش فرق بينا. حرام الحاجة دي تفضل محبوسة في
الدنيا لفت بمريم. "ذكراه موجودة"؟ هي عايزة تاخد اللحظات اللي مريم عاشتها وهي بتنقي كل خيط وكل مسمار في السرير؟ عايزة تاخد الهدوم اللي مريم كانت بتبوسها وتشم ريحتها وهي بتعيط في نص الليل؟
مريم نطقت بصوت طالع من حشرجة الموت:
"تاخدي إيه يا سارة؟"
سارة ردت بابتسامة صفراء:
"الحاجة يا مريم.. الهدوم والسرير. أحمد جوزك وافق وقال لي 'يا سارة مريم مش هتقدر تدخل الأوضة دي تاني، خدي اللي إنتي عايزاه'، وأنا قولت أخفف عنك الحمل ده بدل ما الأوضة تفضل غمة على قلبك."
مريم بصت لأحمد اللي كان واقف بعيد، باصص للأرض بكسرة وعجز، مش قادر يواجه نظراتها. مريم قامت وقفت، رغم التعب والوجع اللي في جسمها من الولادة، وقفت زي اللي بيحمي عرضه:
"أحمد وافق؟ وافق يوزع ورث ابني وهو لسه ريحة ترابه في إيدي؟ الهدوم دي مش قماش يا سارة، دي كانت أحلامي. السرير ده كنت ههزه بإيدي وأنا بغني له.. إنتي عايزة تاخدي حتة من كفنه وتفرشيها لابنك؟"
سارة وشها اتغير وبدأت تعلي صوتها عشان تلم الناس:
"
مريم مشيت بخطوات تقيلة ناحية أوضة "آدم"، ووقفت قدام الباب، حطت إيدها على الأكرة وبصت للكل وقالت بقوة مرعبة:
"الأوضة دي مش هتتفتح.. لا ليكي ولا لغيرك. والهدوم دي أنا هغسلها بدموعي وأشيلها لليوم اللي ربنا يعوضني فيه، أو أوزعها للي محتاج بجد، مش للي عايز يسرق فرحة غيره وهو لسه في عزاهم. اطلعي بره يا سارة.. اطلعي بره قبل ما أطلع الوجع اللي في قلبي كله فيكي."
سارة بصت لأحمد بزعل مصطنع:
"شايف يا أحمد؟ أنا غلطانة؟ خد يا أخويا مراتك وهديها، أنا كنت عايزة أستر نفسي وأوفر عليك تمن جهاز جديد، لكن الظاهر إن مريم لسه تعبانة في دماغها."
أحمد قرب من مريم، وحط إيده على كتفها يحاول يهديها، لكن مريم نفضت إيده وقالت له بوجع:
"هنتحاسب يا أحمد.. بس لما الناس دي تمشي. ابني لسه مبردش في قبره، وإنت بتفرق ترِكته وهدومه؟"
قعدت مريم على الأرض قدام باب الأوضة المقفول، وحضنت نفسها وهي بتصرخ صرخة مكتومة هزت جدران الشقة، والكل واقف يتفرج، بين شمتان في حالها، وبين طمعان في