بقلم امانى سيد
ساندويتش ٢
كان واقف كش الميت، عينه مكسورة، وشه باهت، وباصص لي بنظرة رجاء وتوسل أكنه بيشحت مني نظرة رضا واحدة.
وقفت في نص القاعة بكل شموخ، رافعة راسي وابتسامتي مرسومة على وشي بسنتي اللي رجعت أحسن من الأول بفضل دكتور التجميل. كان أستاذ فريد واقف جنبي ومجهز كل الأوراق؛ محضر الاعتداء، والتقرير الطبي، وقضايا النفقة والتمكين.
رزق أول ما شافني، حاول يتحرك ناحيتي وخطواته كانت بتترعش، نادى عليا بصوت مخنوق ومكسور: "لمار.. عشان خاطر ولادنا، بلاش نوصل لحيطة سد، أنا مستعد أعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس اتنازلي عن المحضر الجنائي.. دي فيها حبس وفصل من الشغل وخراب مستقبلي!"
بصيت له من فوق لتحت ونظرتي كانت كفيلة تخليه يصغر في مكانه، وقلت له بنبرة واضحة ومسموعة لكل اللي واقفين: "مستقبلك أنت اللي ضيعته بإيدك يوم ما هانت عليك أم ولادك وصانت بيتك وشقاك. ولادنا هيربوا بعيد عن أب ملوش أمان، أب يبيع مراته وبيته عشان لقمة يتمنظر بيها قدام الغرب".
دخلنا قدام القاضي، وأستاذ فريد بدأ يتكلم ويشرح المأساة اللي عشتها، وقدم التقارير الطبية اللي بتثبت وحشية الاعتداء، ومعاها شهادة المحضر. محامي رزق حاول يلف ويدور ويقول إنها خلافات زوجية عادية وإن الزوج كان في حالة عصبية، بس القاضي بصلّه بنظرة حازمة وسكته تماماً.
القاضي وجه كلامه لـ رزق وسأله: "الكلام اللي في التقرير الطبي ده صحيح؟ أنت ضربت زوجتك لدرجة كسر أسنانها؟"
رزق وقف وشه في الأرض، عاجز عن النطق، ودموعه بدأت تنزل من الخوف والكسرة.. الدموع اللي عمري ما شفتها منه وهو عايش دور الفرعون عليا في البيت. أومأ براسه وهو بيقول بصوت مش مسموع: "حصل يا فندم.. بس كنت غضبان".
بعد المداولة، صدر الحكم اللي برد لي اعتباري وشفى غليلي. المحكمة حكمت بحبس رزق ست شهور مع الشغل والنفاذ في القضية الجنائية، مع إلزامه بكافة النفقات الشرعية من نفقة عدة ومتعة ومؤخر، وتمكيني الكامل من شقة الزوجية أنا وولادي.
أول ما النطق بالحكم طلع، حسيت كأن جبل انزاح من فوق صدري. رزق انهار وبقى يصرخ ويبكي وهو بيترجاني قدام العساكر وهم بياخدوه عشان يتكلبش: "سامحيني يا لمار! بلاش تحبسيني.. هضيع!"
لفيت ضهري ليه ومشتيت، مالتفتش ورايا ولا للحظة واحدة.
خرجت من باب المحكمة، والنفس اللي أخدته كان بطعم الحرية والانتصار. ركبت عربيتي ورحت على ولادي، أخدتهم في حضني وأنا ببتسم وبقول لنفسي: "النهاردة بس، لمار بدأت تعيش بجد.. واللانش بوكس مش هيتعمل تاني غير للناس اللي تستاهل وتصون".
مرت الشهور الستة وكأنها حلم طويل فوقت منه على حقيقة جديدة تماماً. شقتي رجعت لي، وبقت مملكتي الصغير أنا وولادي، مفيهاش صوت زعيق، ولا تهديـ ـد، ولا خوف من بكرة. نزلت شغلي وركزت فيه وبقى كل همي إني أأمن مستقبل ولادي وأعوضهم عن أي نقص أو كسر عاشوه.
أما رزق، فبعد ما قضى عقوبته وطبعاً اتفصل من شركته بسبب الحبس والفضيحة اللي سمعت في كل مكان، خرج بني آدم تاني خالص.. مكسور، مطأطأ الرأس، والغرور اللي كان سايقه اتمحى تماماً. جيهان طبعاً نفضت إيدها منه أول ما لقت المركب بتغرق، ودورت على مصلحتها في مكان تاني، وسابته بطوله يدوق من نفس الكأس اللي سقاني منه.
في يوم وأنا راجعة من بره ومعايا ولادي، لقيت واقف جنب باب العمارة.. خاسس، ومبهدل، وهدومه دبلانة. أول ما شافني، جري عليا ودموعه في عينه، ووطى على إيدي عايز يبوسها قدام الناس وهو بيترجاني: "سامحيني يا لمار.. أنا اتعاقبت ودوقت الويل، والكل اتخلى عني ومبقاش ليا حد في الدنيا دي غيرك أنتِ وولادي.. ارجعيلي ونبدأ من جديد وأبوس رجلك بلاش تضيعينا."
بصيت له بمنتهى الشفقة.. مش شفقة حب أو حنين، لأ، شفقة على بني آدم ضيع نفسه بإيده. زقيت إيده بالراحة ووقفت ولادي ورا ضهري وقلت له بكلمات حاسمة وقاطعة:
"رزق.. لمار اللي كانت بتصحى من النجمة عشان تعمل لك اللانش بوكس وتدور على رضاك ماتت يوم ما اتمت إيدك عليها وهنت كرامتها. إحنا خلاص مابقاش بيننا غير الولاد دول، هتشوفهم في حدود القانون والشرع، وتدفع نفقتهم وإنت ساكت. غير كده، أنت مالكش وجود في حياتي.. اللي يتكسر في القلوب مبيصلحوش دكتور تجميل يا رزق."
أخدت ولادي في إيدي، وطلعت السلم وأنا سامعة صوت عياطه في الشارع، بس قلبي ما تحركش فيه سم واحد. فتحت باب شقتي، ودخلنا في الدفا والأمان. بصيت للمطبخ وابتسمت، وبقيت عارفة ومكتفية وبقول لنفسي: "الحكاية مش حكاية سندوتش بانيه أو بوفتيك.. الحكاية حكاية أصل وصون عشرة، واللي ما يصونش النعمة.. يستاهل تزول من وشّه."