بقلم امانى سيد

الغربه

لمحة نيوز


تليفوني مابطلش رن.. هو يتصل وأختي تتصل، ورسائل عياط وتوسل من أختي اللي كانت من كام يوم حاطة إيدها في وسطها وبتقولي ماتعمليش فيها الضحية. ما رديتش على ولا مكالمة، وعملت بلوك لكل الأرقام، وبعتتلهم رسالة واحدة من تليفون المحامي
المحكمة هي اللي بيننا.. والبيجامة الستان اللي أنت لابسها دي، هتاخدوها معاكم في كيس أسود وأنتوا مطرودين من الشقة.. ده لو ما دخلتوش السجن بتهمة النصب وتبديد الأموال.
 
عرفت من قرايبنا إنهم باعوا دهب أختي عشان يدفعوا للمحامين، وإن الخناقات بدأت تدب بينهم.. الحب اللي مبيأكلش عيش وبنوا أساسه على سرقتي وقهرتي، بدأ يتفصخ من أول قلق وهزة. جوزي اللي خانني بقى يلومها ويقولها أنتِ اللي وزيتيني، وهي تقوله أنت اللي طمعت في فلوسها.
أنا واقفة دلوقتي في بلكونة الشقة الإيجار اللي قاعدت فيها مؤقتاً، بتفرج على شوارع مصر.. الغربة علمتني إزاي أكون قوية، وإزاي القرش اللي بييجي بالدموع والشقى مابيروحش هدر.. أنا مش هسيبهم إلا وهما على البلاطة، عشان يتعلموا إن الله حق، وإن اللي تبنيه على كسر قلب أقرب الناس ليك.. هيقع فوق دماغك ويهدك!
مرت شهور والقضايا شغالة في المحاكم، والمحامي بتاعي كان زي الثعلب، كل ثغرة في القانون كان بيستغلها عشان يضيق الخناق عليهم. الشقة اللي كانوا فاكرين إنهم هيتهنوا فيها، بقت عبارة عن سجن ليهم؛ لا عارفين يبيعوها، ولا عارفين يتصرفوا في أي حاجة فيها بسبب الحجز التحفظي.
أما أنا.. فرجعت شغلي في الغربة. نزلت تاني عشان أقف على رجلي، بس المرة دي نزلت وبقلب ميت. مبقتش أطحن نفسي في النبطشيات عشان أبعت لحد؛ القرش اللي كان بيطلع، كان بيدخل في حسابي أنا وبس، ولنفسي وبس. كنت بشتغل وأنا حاطة في بطني بطيخة صيفي، وعارفة إن حقي راجع راجع.
في يوم، جالي تليفون من واحدة جارتنا في العمارت الجديدة اللي فيها الشقة، الست دي كانت بتعزني وعارفة أصل الحكاية. قالتلي بنبرة كلها شماتة فيهم
يا بنتي، فضايحهم بقت على كل لسان في المنطقة.. صوت خناقهم واصل لآخر الشارع، والبوليس جالهم ممرتين بسبب المحاضر اللي بيعملوها في بعض! أختك طردته من الشقة وهو نزل نام في عربية واحد صاحبه، ودلوقتي بيقطعوا في فروة بعض عشان مين اللي يشيل ليلة المحامين ومصاريف القضايا!
 
ضحكت.. ضحكت من قلبي بجد لأول مرة من سنة. الحب اللي قالوا عليه من أيام الجامعة، واللي محتاج زقة على حساب شقايا وعمري، طار وتبخر من أول موقف . الطمع عماهم، ولما الطمع اتمسك من رقابته، كل واحد فيهم نهش في التاني عشان ينجد نفسه.
الأسبوع اللي فات، المحكمة أصدرت حكمها النهائي
أولاً إلزام طليقي برد كافة المبالغ المحولة له، والتي ثبت بشهادة البنك ورسائل الواتساب إنها كانت بغرض الأمانة وشراء العقار، وجدولة المبالغ دي كديون واجبة النفاذ.
ثانياً تمكينى من الشقة بعد بطلان عقد البيع الصوري اللي كان باسمه وباسم أختي، طالما مصدر المال بالكامل كان من حسابي الشخصي.
المحامي كلمني وقالي مبروك يا دكتورة.. الشقة رجعتلك، وهو يا يدفع الفلوس اللي عليه كاملة.. يا السجن مستنيه بتهمة تبديد الأمانة والنصب.
نزلت مصر في إجازة سريعة عشان أستلم شقتي. وقفت قدام الباب، نفس الباب اللي خبطت عليه من شهور وفتحهولي بالبيجامة الستان. المرة دي، أنا اللي معايا المفتاح، وأنا اللي بفتح بيتي بكرامتي وقوتي.
لقيتهم كانوا بيلموا آخر حاجات ليهم في أكياس سوداء عشان يخلوا الشقة قبل ما قوة التنفيذ تيجي وتطردهم بالفضيحة. أختي بصتلي وعيونها مكسورة، وشها دبلان ومبقاش فيه أثر للبجاحة القديمة. وطت راسها في الأرض وهي معدية من جنبي وقالت بصوت واطي سامحيني يا أختي.. الله يجازي اللي كان السبب.
ما ردتش عليها، ولا حتى عاتبتها. العتاب ده بيكون للغاليين، للي باقيين على العشرة، لكن دول؟ دول ماتوا بالنسبة لي من يوم ما حطيت رجلي في الصالة دي وشوفتهم مع بعض.
بصيت لطليقي اللي كان واقف زي الفار المبلول، شايل كيس هدمه وباصص للأرض. قولتله وأنا مبتسمة ببرود أعلى بمليون مرة من بروده القديم
الحب مبيأكلش عيش يا ابن الناس.. والفلوس اللي كنت فاكرها سبوبة، أهو الشقى بتاعها هيوديك ورا الشمس. خدي أختي في إيدك واطلعوا بره.. العش الهادي خلاص صاحبته رجعتله.
 
قفلت الباب وراهم، ورزعت القفل الجديد. وقفت في نص الصالة، أخدت نفس عميق وكأني كنت مخنوقة بقالي سنين ووشي رجعتله الروح. الغربة مكنتش مجرد سفر وفلوس.. الغربة طلعت بتعلم إزاي تدوس على الوجع، وإزاي تاخد حقك تالت ومتلت ومن غير ما تلوث إيدك.

تم نسخ الرابط