بقلم امانى سيد

ترقيه ٣

لمحة نيوز

 وقالتلي: "أنت لسه ليك عين تتصل يا شحات؟ عايز مني إيه تاني بعد ما خربت بيتك وضيعت نفسك؟ جاي تتلصق فيا عشان أشوف لك شغل؟ أنا فاتن يا بابا، مش مكتب استخدام عاطلين! غورتك دي كانت أسود يوم في حياتي، ومبقتش طايقة أسمع اسمك.. اقفل ومترنش هنا تاني يا فاشل!".
وقبل ما أطق بكلمة، قفلت السكة في وشي. بس وسط البهدلة دي، وفي وسط كلامها اللي كان طالع زى المدفع، قالت جملة لفتت انتباهي.. قالت إنها سابت الشغل في شركتنا القديمة هي كمان!
عقلي مكنش مجمع، إزاي فاتن تسيب مكانها اللي كانت بتموت فيه؟ لكن الإجابة مجاتش متأخرة. بعد كام يوم، قابلت زميل قديم ليا من الشركة بالصدفة وركب معايا بال زبون، ولما عرف باللي حصلي، اتنهد وقال لي الحقيقة اللي خلتني أضحك من قلبي بـأعلى صوتي وسط دموعي وقهرتي.
قالي: "فاتن متسابتش الشغل بمزاجها يا بشمهندس.. فاتن اِتطردت بفضيحة! أول ما المدير الجديد مسك مكانك، افتكرت إنها هتلعب معاه نفس اللعبة اللي لعبتها معاك. بدأت تتمايل، وتلبس، وتدخل عليه المكتب بحجج كدابة، وفاكرة إن كل الرجالة زيك بتسيل لعابهم قدام المظاهر والستات. بس المدير الجديد ده طلع راجل بجد، وأجدع منك بمليون مرة.. أول ما لمح ألاعيبها ولفها ودورانها، وقفها عند حدها، وطلب لها التحقيق، وطردها برة الشركة كلها عشان يطهر المكان من قرفها".
قفلت الأبليكيشن وركنت العربية على جنب وأنا حاسس إن في سكاكين بتقطع في صدري. الست اللي بعت العمر والزوجة الأصيلة والولاد عشانها، طلعت بتلف على المكاتب عشان تلاقي مغفل جديد يشتري لها فساتين ويسفرها الساحل، والمدير الجديد اللي ميكملش شهر في مكاني، عرف حقيقتها وطردها في ثواني.. وأنا اللي عشت معاها شهور، كنت عمى، غبي، سلمتها رقبتي وحياتي لحد ما دمرتني.
الحق ظهر، والكل أخد نصيبه تالت ومتلت؛ رضوى ربنا أكرمها ورفعها في السما لـأصالتها، وفاتن ربنا ذلها وانطردت لـجشعها.. وأنا؟ أنا اللي فضلت في الوع المظلم، بين دريكسيون عربيتي وندم بياكل في جثتي كل ما بفتكر إني بإيديا الاتنين، هديت الجنة اللي كانت معايا عشان أشتري جهنم.
بقيت قاعد في العربية، باصص للمراية اللي قدامي ومش عارف الشخص اللي باصص لي ده مين. الراجل اللي في المراية ده وشه دبلان، وعينيه مطفية، وتحتيهم سواد السهر والهم.. ده مش البشمهندس الناجح، ده واحد الدنيا فركته ورمته على الرصيف بعد ما افتكر نفسه ملكش حد قده.
فتحت الأبليكيشن تاني وجالي مشوار. طول ما الزبون راكب معايا ورا وأنا عيني عليه في المراية، بفتكر أيام ما كنت بركب ورا والسواق يفتح لي الباب. سبحان مغير الأحوال، من ملك على عرشه لراجل شغال باليومية عشان يجمع حق بنزين عربية وقسط جمعية.
المشاوير كانت بتاخدني من منطقة لمنطقة، وكل خروجة أو لمة عيلة بشوفها في الشارع بتفكرني باللي ضيعته. لما كان يركب معايا راجل ومعاه مراته وولاده، وصوت ضحكهم مالي العربية، كنت بحس بخنجر بيتغرس في قلبي. بفتكر "رضوى" والولاد.. بفتكر لما كنا بننزل يوم الجمعة نشتري طلبات الأسبوع، وكنا بنفرح بأبسط الحاجات. كنت غرقان في نعم مش حاسس بقيمتها، وعيني زاغت على قشرة كدابة ملهاش أي أصل.
الليل دخل، والشوارع بدأت تفضى، وقررت إن ده يكون آخر مشوار ليا قبل ما أرجع بيت أهلي. المشوار كان رايح منطقتنا القديمة.. الشارع اللي فيه رضوى وولادي.
قلبي بدأ يدق بعنف وأنا بقرب من الشارع. ركنت على جنب بعد ما نزلت الزبون، ومقدرتش أقاوم الفضول إني أبص للمرة الأخيرة. بصيت على شباك شقتنا.. النور كان قايد، وصوت التلفزيون طالع هادي. تخيلتهم جوة، قاعدين متعشيين، والولاد بيعملوا الواجب ورضوى بتساعدهم، عايشين حياتهم في سلام كامل.. سلام أنا كنت العنصر الوحيد اللي بيعكره.
عرفت وتأكدت إن ربنا لما بيقفل باب في وش ظالم، بيفتح أبواب للمظلومين. رضوى مكنتش محتاجة لفلوسي، كانت محتاجة لراجل يقدرها، ولما أنا منعت عنها القرش، ربنا أغناها من وسعه وسخر لها اللي يقف جنبها. وفاتن اللي افتكرت إن جمالها ومكرها هيفتحوا لها كل المكاتب، خبطت في راجل أجدع مني وعلمها إن مش كل الرجالة بتتباع وتشتري بابتسامة كدابة.
دورت العربية وتحركت وأنا بنزل راسي في الأرض. مشيت في شوارع القاهرة والدموع نازلة على خدي، بس المرة دي مكنتش دموع اعتراض، كانت دموع اعتراف بالذنب. أنا اللي كتبت نهايتي بإيديا، وأنا اللي اخترت الطريق ده.. وبقيت عايش بس عشان أشتغل على عربيتي، وأسدد ديوني، وأدعي ربنا كل يوم إنه يسامحني على جحودي، بعد ما بقيت عايش في الدنيا "مجرد عبرة" لكل راجل بيفتري على لحمه ودمه عشان قشرة فالسو.

 

تم نسخ الرابط