بقلم امانى سيد
ترقيه ٣
وقفت مكانها، ربعت إيديها وبصتلي بنظرة كلها ثبات، كأنها بتديني الدقيقة الأخيرة فعلاً قبل ما تقفل الباب ده للأبد.
بلعت ريقي وبصيت لوشها المنور، للثقة اللي طالعة من كل حتة فيها، وسألتها والوجع عمال يأكل في قلبي: "إزاي يا رضوى؟ إزاي بقيتي كده وفي الوقت القصير ده؟ أنا سيبتك ست بيت كل همها تربية العيال، إزاي قدرتي تقفي على رجليكي وتوصلي للمكانة دي ومن غير ما تحتاجي لمليم واحد مني؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس مكنتش ابتسامة وجع، كانت ابتسامة نصر وقوة، وقالتلي بنبرة هادية وكل حرف فيها بيجلدني: "لما أنت بعدا وظلمتنى .. ربنا مرضاش بالظلم ده. ربنا كبير ومبيسبش حد لجأله يا بشمهندس. أخويا اللي كان مسافر، أول ما عرف باللي عملته وبالمصيبة اللي رمتنا فيها، كلم ناس صحابه هنا وشافوا لي الشغلانة دي. نزلت واشتغلت، ومكنتش بشوف قدامي غير ولادي.. كنت بتحدى نفسي كل يوم إني أنجح وأكبر، مش عشانك ولا عشان أثبت لك حاجة، لأ.. عشان خاطر ولادي، عشان أقدر أوفر لهم حياة كريمة ميكونوش فيها محتاجين لقمة من حد، ولا يستنوا عطف من راجل رماهم عشان يجري ورا شهواته ومظاهره الكدابة."
أخدت نفس طويل وكملت وهي رافعة راسها للسما: "والحمد لله.. ربنا عوضني عوض كبير أوي، وعايشة مرتاحة ومستورة بعيد عنك وعن قرفك، وولادك كمان بقوا مبسوطين، حياتهم بقت أحسن، دراستهم وناديهم وكل حاجة في حياتهم اتغيرت للأفضل.. والأهم من كل ده، إنهم مش عايزين يشوفوك تاني أبدًا، فيا ريت تبعد عنهم وتنسى إن كان ليك عيال هنا."
نزلت دموعي وبقيت بتهته: "الولاد؟ الولاد ينسوني يا رضوى؟ دول لحمى ودمى.، أكيد هما مش فاهمين، أكيد أنتِ..."
قاطعتني بحدة هزت الشارع كله، وعينيها لمعت بوجع قديم كانت مخبياه ورا ثباتها، وقالتلي: "أوعى تكون فاكر إنهم في وسط جوعهم وتعبهم مكانوش بيشوفوا صورك! كانوا بيفتحوا الفيسبوك ويشوفوا صور الفسح والسفريات واللبس الغالي اللي بتشتريه للست الجديدة، وكانوا بيسألوني بدموعهم: هو بابا بعد عننا ليه يا ماما؟ إحنا غلطنا في إيه عشان يرمينا الرمية دي ويستخسر فينا اللقمة والدوا؟"
سكتت ثواني وهي شايفاني بنهار وببكي زى العيل الصغير قدامها، وكملت ببرود رجع لملامحها تاني: "أنا كنت بتموت كل يوم وأنا شايفة الأسئلة دي في عينيهم، بس ربنا برد قلبي وقلبهم.. هما دلوقتي كبروا وفهموا، ومبقاش اسمك بيعدي في البيت غير كأنه كابوس وانتهى. لف ضهرك وامشي يا بشمهندس.. وفر دموعك دي لنفسك وللديون اللي وراك، لأن هنا مبقاش ليك غير الندم."
لفت ضهرها ودخلت مدخل العمارة بخطوات سريعة وثابتة، والباب اتقفل وراها.. اتقفل بالضبة والمفتاح على حياتي كلها. وقفت لوحدي في الضلمة، سامع صدى كلماتها وهو بيتردد في ودني ويقطع في فروة راسي: "إحنا غلطنا في إيه عشان ترمينا كده؟"
ركبت عربيتي وأنا حاسس إني جثة ماشية على الأرض، وعرفت إن عقاب ربنا ونعم العوض ليهم، كان هو الخراب الكامل ليا.
رجعت بيت أهلي وأنا شايل خيبتي فوق ضهري، الشاب اللي خرج من البيت ده في يوم من الأيام وهو مدير ملء السمع والبصر والفلوس في إيديه مش عارف يوديها فين، رجعله مكسور، مطرود، وممعاهوش مليم. البنك مكملش شهر وكان حجز على شقة الكومباوند وكل الأثاث المستورد اللي نقيته فاتن على ذوقها اتمهر بالبند الرسمي؛ مبقاش ليا فيها شبر واحد.
ومع تراكم الديون والمصاريف اللي مابترحمش، كان لازم أتصرف.. مكنش قدامي غير عربيتي المكركبة دي. نزلت شغلت عليها أبليكيشن "أوبر"، وبقيت ألف بيها الشوارع من صباحية ربنا لحد نص الليل. أنا اللي كنت بقعد ورا مكتب وسكرتيرة بتنظم مواعيدي، بقيت قاعد ورا الدريكسيون بستني زبون يركب معايا عشان ألم منه كام قرش أسدد بيهم ديوني وأجيب لقمة أكلها.
وفي يوم من الأيام، وأنا رامت راسي على الدريكسيون من التعب في عز الظهر، الشيطان لعب في دماغي تاني.. وافتكرت فاتن. قلت لنفسي يمكن يكون قلبها حن، أو يمكن تفتكر الأيام والعز اللي عاشته على قفايا، وتقدر بـعلاقاتها ومعارفها في السوق تشوف لي لو حتى شغلانة صغيرة في أي شركة ثانية أقف بيها على رجلي.
طلعت الموبايل وطلبت رقمها.. قلبي كان بيدق وكنت خايف متفصليش، بس لحسن الحظ.. فتحت الخط.
أول ما سمعت صوتها، طلع صوتي ملهوف: "فاتن.. أنا..."
مكملتش الكلمة، ولقيت سيل من الإهانات والشتائم نازل فوق دماغي زى المطرقة، نبرة السحر والدلع اتمحت تماماً وحل مكانها غل وقسوة مسمعتهاش من بشر قبل كده. زعقت في الموبايل بـأعلى صوتها