بقلم امانى سيد
هدى ١
بتتكلم، بتعمل واجبتها في البيت زي الآلة، مبتطلبش جنيه زيادة، ومبتعلقش على أي تفصيلة. اتجوزت مروة، المهندسة الشيك، اللي من مستوايا وتفهم دماغي زي ما كنت فاكر.
وطبعاً، عشان برستيجي قدام مروة وأهلها، وعشان أثبت لأختي صفاء إني عملت الصح، أجرت لمروة شقة تانية خالص في حي راقي وجديد، شقة تليق بمهندسة ومن مستوايا. ومن هنا، بدأ الفصل الحقيقي من الإهمال والنسيان لهدى.
بقيت مقسم وقتي بين الشقتين، بس في الحقيقة، أنا كنت عايش مع مروة، وهدى بقت بالنسبة لي مجرد بيت قديم بزوره تأدية واجب. بقيت أدخل شقة هدى يدوب يومين في الأسبوع، أدخل ببرود، عيني مش بتيجي في عينها، كأني زاير غريب. بقيت أصرف كل فلوسي واهتمامي على مروة.. خروجات، وسفر، ولبس براندات، وشياكة. أما هدى؟ فبقيت أرمي لها مصاريف البيت والعيال بنشفان ريق، وكل ما تطلب مصاريف زيادة عشان طلبات الولاد اللي بتكبر، كنت بزعق وأقولها أنا مش ملاحق على مصاريف الشقتين! لمي إيدك شوية، أنتِ قاعدة في البيت مبتعمليش حاجة ومبتصرفيش على لبس وخروج زي غيرك.
كنت بشوف الكلمة وهي بتنزل عليها زي السكينة، تبلع غصتها وتسكت وهي باصة في الأرض. الإهمال مكنش بس في الفلوس، ده كان في وجودي نفسه. بقيت لما أروح عندها، أقعد باصص في تليفوني، بكلم مروة أو بتابع شغلي، ولو هدى حاولت تفتح معايا أي موضوع يخص البيت أو العيال، كنت بصدها ببرود مش فاضي دلوقتي يا هدى، دماغي مش قايدة.
أختي صفاء كانت دايماً تتصل بيا وتسألني عن الأحوال، ولما أقولها إني سايب هدى ومقضي كل وقتي مع مروة، كانت تضحك وتقولي أهو ده الصح يا كريم.. سيبها كدة مركونة على الرف عشان تعرف قيمتك، وتعرف إنك لولا كرمك وفلوسك مكنش هيبقى ليها سقف يداريها. هي أخرها تربي العيال، إنما الواجهة والشياكة لمروة. كلام صفاء كان بيملا راسي بالغرور، ويخليني أشوف إن إهمالي لهدى ده حق من حقوقي، وهي لازم ترضى بيه وتستحمله وهي ساكتة لأن ملهاش بديل.
مرت الشهور، وهدى بدأت تنسحب تماماً من حياتي وهي في نفس بيتي. ملامحها اتمحت، وبقت تتحرك في الشقة زي الخيال، مبتطلبش، مبعاتبش، ومبتتكلمش. لو جيت بتلاقي الأكل جاهز والبيت نظيف والعيال ناموا، ولو مشيت بتقفل ورايا الباب في سكات من غير ما تسألني رايح فين ولا هترجع إمتى. بقيت ضامن وجودها لدرجة الموت، ومطمن إنها مهما شافت من إهمال وتقصير، هتقعد في ركنها وتستحمل.
لحد ما جه يوم، وكنت معزوم أنا ومروة عند قرايبنا، والموقف اللي حصل يومها...
والموقف اللي حصل يومها قلب كل الموازين.
كنا قاعدين وسط العيلة، ومروة بتتكلم بكل تفاخر عن شغلها وعن طقم الألماس الجديد اللي اشتريته لها، وسط نظرات الإعجاب والترحيب من الكل. وفجأة، دخلت هدى. مكنتش معزومة، لكنها جت عشان ابننا الصغير تعب فجأة وسخن جداً، ومكنتش عارفة تتصرف ولا تلاقيني لأن تليفوني كان صامت.
دخلت هدى الصالة بعبايتها البسيطة ووشها المرهق من قلة النوم والهم. مروة أول ما شافتها، سكتت ولت بؤها، وبصت لي بنظرة كلها قرف وتعالي وكأن هدى حشرة دخلت بوظت برستيجها. أما أختي صفاء، فوقفت بسرعة وبصوت واطي مليان غل وزعيق، أخدت هدى على جنب وقالت لها أنتِ إيه اللي جابك هنا بالمنظر ده؟ مكسفتيش وجايلنا وسط الناس بعبايتك دي؟ مكنش فيه تليفون تغوري تتصلي بيه بدل ما تعرينا!.
أنا وقفت، وبدل ما أخد مراتي وأم عيالي في حضني وأطمن على ابني اللي بيموت من السخونية، بصيت لهدى بغضب وقلت لها أنتِ معندكيش دم؟ جاية لحد هنا تقطعي علينا لمتنا؟ اطلعي برة واستنيني في الشقة، ولما أرجعلي حساب تاني معاكي على الجنان ده.
هدى بصت لي.. النظرة دي عمري ما هساها. مكنتش نظرة كسرة ولا قلة حيلة زي كل مرة. كانت نظرة واحدة شافت جثتي قدامها ومبقاش يعني لها وجودي أي شيء. بصت لصفاء ول مروة وللكل بنظرة استحقار رهيبة، وخرجت في سكات تام من غير ما تنطق بحرف واحد.
رجعت البيت بالليل متأخر، وأنا شاحن نفسي بكل غضب وزعل عشان أربيها وأعرفها مقامها، ودخلت الشقة وأنا بزعق وبخبط في البيبان هدى! أنتِ يا
هانم يا اللي روحتي فضحتيني قدام أهلي!.
لكن الشقة كانت ضلمة.. وهسسس.
دخلت أوضة العيال ملقتهمش، ودخلت أوضتها ملقتهاش. الشقة كانت فاضية تماماً من كل حاجة تخصها وتخص العيال، حتى دولابها كان مفتوح ومفيش فيه حتة قماش واحدة. وفوق التسريحة، كان فيه ظرف أبيض محطوط وجنبه مفاتيح الشقة.
فتحت الظرف وإيدي بترتعش لأول مرة من الخوف، ولقيت جواه اللى صدمتى