بقلم امانى سيد

هدى

لمحة نيوز

على رجلي ومحتاجش لجميلة حد.
سكتت ثانية، وبصت لساعتها، وبعدين رفعت عينيها في عيني وقالت الكلمة اللي قتلت آخر حتة كبرياء جوايا المركب اللي بتمشي بالذل والغصب بتغرق يا بشمهندس. وأنا غرقت معاك كتير، وجه الوقت اللي أتنفس فيه. عن إذنك ورايا اجتماع تاني.
سابتني ومشيت، كعب جزمتها كان بيخبط على الأرض وكأنه بيخبط على قلبي اللي اتفرفد ميت حتة. وقفت مكاني وأنا شايفها بتبعد، وعرفت وقتها اليقين اللي مفيش بعده شك..
أنا مكنتش المنقذ ولا كنت كتير عليها.. أنا كنت السجان الغبي اللي قفل على جوهرة، ولما الجوهرة دي لقت الباب مفتوح، طارت وبقت في السما، وسابتني أنا هنا.. مدفون في حارة غسيلى، وندمي، وعمري اللي ضاع في المظاهر الكدابة.
ركبت عربيتي وأنا مش شايف طريقي من كتر الدموع اللي مالية عيني. كنت سايق بلا هدف، الشوارع واسعة حواليا بس الدنيا في عيني أضيق من خرم إبرة. كلامها كان بيلف في دماغي زي الأسطوانة المشروخة معاك يا كريم مكنش فيه مساحة للوش ده إنه يظهر.
كنت غبي.. غبي لدرجة إني مكنتش فاهم إن الست اللي بتصغر وتتضاءل في بيتها مش بتكون ضعيفة، دي بتكون بتطفي روحها بإيديها عشان تديك مساحة تكبر أنت وتتفرعن. كنت فاكر إن كسر خاطرها هو اللي بيثبت رجولتي، ومكنتش عارف إن كل كسرة كانت بتبني فيها جدار جديد بيفصلها عني لحد ما بقيت ورا الجدار ده.. منسي ومطفي.
رجعت البيت.. أقصد شقة مروة. أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة الأكل الجاهز قالية المكان، ومروة قاعدة على الكنبة ولابسة سماعات في ودنها وبتتكلم في تليفونها وبتضحك بصوت عالي مع صاحبتها. لمحتني داخل، مكلفتش نفسها حتى تقفل السكة أو تقولي حمد الله على السلامة. شاورت لي بإيدها بنوع من البرود، وكملت كلام آه يا بنتي، بقولك الساتان ده مش موضة خالص السنة دي، أنا هجيب الدانتيل الفرنساوي...
وقفت في نص الصالة باصص لها. دي الست الشيك اللي أختي صفاء قالتلي إنها هتشرفني. دي المهندسة اللي من مستوايا. حسيت في اللحظة دي بإن الشقة دي كرتون، الديكورات المودرن الغالية دي باردة ومفيش فيها دفا، والست اللي قاعدة قدامي دي غريبة عني، مش شريكة حياة.. دي مجرد شريكة سكن بتجمعني بيها مصالح وفواتير.
افتكرت هدى زمان.. لما كنت برجع من الشغل تعبان، كانت تجري عليا قبل ما أحط رجلي في البيت، تاخد مني الشنط، وتسألني عن يومي وعينيها كلها خوف واهتمام. مكنتش بتستنى لما أسألها على الأكل، كانت بتبقى مجهزة كل حاجة ومستنية اللقمة اللي هنأكلها سوا.. اللقمة اللي كنت بدوقها ليها بذل وأقولها ده من خيري.
مروة قفلت التليفون وبصت لي وقالت بنبرة آمرة كريم، كويس إنك جيت.. مامي كلمتني وعايزانا نروح معاها بكرة نشتري غسالة أطباق جديدة لفيلا الساحل، وطبعاً أنت اللي هتدفع نص تمنها كهدية ليها بمناسبة الصيف.. وبليز مش عايزة مبررات من بتاعة ميزانية الشركة والضغط اللي عندك.
بصيت لها وضحكت.. ضحكت بصوت عالي لدرجة إن مروة اتخضت وقامت وقفت أنت بتضحك على إيه؟ أنا بتكلم جد على فكرة!
قلت لها بنبرة هادية وميتة بضحك على نفسي يا مروة.. بضحك على البشمهندس كريم اللي كان فاكر نفسه مهندس أد الدنيا، وهو في الحقيقة مجرد محفظة متحركة.. مبروك عليكي يا مروة، ومبروك على مامي غسالة الأطباق.. بس أنا مش دافع حاجة، ومش رايح في حتة.
يعني إيه؟ زعقت مروة وعينيها أتحولت لشرار أنت بتلوي دراعي؟ أنت نسيت أنا مين ولا إيه؟ أنا مهندسة ومن عيلة، ومش هسمحلك تعاملني كأنك متجوز واحدة من الشارع!
الكلمة دي.. واحدة من الشارع.. كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير. الكلمة دي فكرتني بصفاء، وفكرتني بنفسي وأنا بذل هدى. وقفت قصاد مروة وقلت لها بكل برود الست اللي من الشارع دي يا مهندسة.. كانت بروقة عنك، وكانت بتفهم في الأصول عنك وعن عيلتك. الشقة دي إيجارها هيتدفع لآخر الشهر، وهدومك تلميها وتروحي ل مامي.. أنا مش هكمل في التمثيلية دي.
سيبتها تصرخ وتكسر في البيت، ونزلت. مكنتش فارقة معايا ومكنتش خايف من كلام الناس ولا من برستيجي اللي كنت بعبدُه زمان.
رحت قعدت في عربيتي على كورنيش النيل، وطلعت تليفوني. فتحت صفحة هدى على الفيسبوك اللي كنت دايماً براقبها في السكتة. لقيتها منزلة صورة جديدة ليها مع العيال في جنينة الشقة الجديدة بتاعتهم. العيال كانوا بيضحكوا من قلبهم، ضحكة عمري ما شفتها وهم معايا في شقة الكومباوند. وهدى كانت واقفة وسطهم، بعبايتها البسيطة الراقية، ملامحها مرتاحة، ومفيش في عينيها أي أثر للخوف.
كتبت بوست على صفحتي، وأنا عارف إنها مش هتشوفه لأنها عملتلي بلوك من زمان، بس كنت بكتبه لنفسي.. وللتاريخ.. ولأي راجل فاكر إن السيطرة بالذل والكسر بتصنع ورث
كنت فاكر إني المنقذ، وكنت فاكر إن الشهادة والمنصب هما اللي بيعملوا القيمة. بس اكتشفت إن القيمة الحقيقية هي الروح اللي بتشيلك وأنت معندكش حاجة. خسرت الجوهرة اللي كانت بتدعيلي في سجدتها، وكسبت المظاهر اللي بتمص في دمي. النهاردة أنا واقف بطولي، مهندس أد الدنيا.. بس أصغر بكتير من إني أطول نظرة عتاب من الست اللي كانت في يوم.. ملكي.
قفلت التليفون، وبصيت للنيل، وحسيت بنسمة هوا باردة خبطت
تم نسخ الرابط