بقلم امانى سيد
قيد عائلى ١
مركزة في مذكرتها وتجهيزها للاختبارات. فضل السيناريو ده شغال في دماغي طول الليل والنهار، وكل ما عيني تيجي في عين بنتي، قلبي يتعصر حزن وحسرة على الغدر اللي اتعرضنا له من أقرب الناس لينا.
بعد يومين، جه معاد الإجازة بتاعته.. المعاد اللي كنت دايماً بستناه بفارغ الصبر وأقيد صوابعي العشرة شمع عشان أريحه وأعوضه عن "تعب الشغل وبُعد المسافة". سمعت صوت مفتاحه في الباب، وقلبي بدأ يدق بسرعة، بس المرة دي مكنش شوق، كان قرف وغل بحاول أداريهم بكل قوتي.
دخل بابتسامته المعتادة المزيّفة، وشايل في إيده شنطته وبعض الطلبات وهو بيقول بصوته اللي كان زمان بيطمني: "يا أهل البيت، وحشتوني.. أسبوع متعب وهلاك في الشغل بس كله يهون عشانكم".
وقفت مكاني، أخدت نفس طويل، ورسمت على وشي ابتسامة باهتة يادوب تسلك الأمور، وقربت منه وقلت له بنبرة عادية جداً ومفيش فيها أي تغيير: "حمد لله على سلامتك يا عاصم.. نورت بيتك، أدخل ارتاح وغير هدومك على ما أحضر لك اللقمة".
كان بيتكلم معايا ويحكي لي عن ضغط الشغل والمشاريع وهموم الحياة، وأنا قاعدة بصه له ومركّزة في كل حركة بيعملها.. كنت بشوف في وشه ملامح الكدب الخبيثة اللي عشت سنين مغمية عيني عنها. كنت بسأل نفسي: إزاي قادر يمثل الدور ده بالإتقان ده كله؟ إزاي بيبص في وش بنته ويحضنها وهو كاتب شقا عُمرنا وحقها لولد تاني عايش معاه في السر؟
سبته يدخل السرير ينام بعد ما أكل، ودخلت البلكونة في الضلمة، طلعت موبايلي وبقيت أبص على صور العقود وكشف الحساب اللي صورتهم من بيت أمه.. الورق اللي هيقلب حياته جحيم. قفلت الموبايل وأنا باخد عهد على نفسي: "وحياة كل ليلة نمت فيها مغفلة، وكل قرش وفرته وضغطت بيه على نفسي وعلى بنتي عشان تتبغدد بيه أنت وابنك.. لأدفعك تمن الغدر ده غالي أوي يا عاصم، وبنفس برودك وتخطيطك في السر".
ثاني يوم الصبح، نزل عاصم يقضي مشاوير وسايبني في البيت. مهدتش، كلمت صاحبتي الأنتيم اللي مالياش غيرها، وحكيت لها على كل حاجة وأنا منهارة بس ماسكة نفسي. قلت لها: "أنا مش هسيب حق بنتي يضيع، دليني على محامي يكون حوت، يفهم في الثغرات دي وما يخرش المية".
وفعلاً، جابت لي رقم مستشار قانوني كبير في محاكم الأسرة ومجلس الدولة، كلمته وأخدت معاد منه في نفس اليوم العصر. نزلت من ورا عاصم بحجة إني رايحة أشتري ملازم ومراجعات لبنتي عشان امتحانات الشرطة، وأخدت فلاشة عليها كل صور العقود وكشوفات الحساب اللي صورتها من بيت أمه.
دخلت مكتب المحامي، راجل وقور وذكي، عينه لمحت الكسرة والتحدي في عيني قبل ما أتكلم. قعدت وحطيت الفلاشة وقصيت له الحكاية من أول قيد العائلة لحد تنضيفة أوضة أمه. الراجل سمعني للآخر وهو بيفر في صور الورق على شاشة الكمبيوتر بتاعه، وفضل ساكت لدقائق بيفكر.
بص لي وقال لي ونبرته كلها جدية: "يا مدام، جوزك مأمن نفسه قانوناً بالملي.. عقود البيع والشراء دي نهائية ومسجلة، وفي القانون اسمه (تصرف المالك في حال حياته)، يعني من حقه يبيع أو يوهب لأي حد وهو عايش ومحدش يقدر يحجر عليه.. لكن!"
سكت شوية، وأنا قلبي سقط في رجلي، قلت له بلهفة: "لكن إيه يا متر؟ أرجوك قولي إن في أمل، أنا بنتي طالع عينها ومش هسيب شقانا يروح لغيرها".
ابتسم وقال لي: "لكن الثغرة هنا في (الصور الصورية) وفي سن الولد.. الولد عنده 5 سنين، يعني ملوش ذمة مالية ولا معاه فلوس يشتري بيها الأملاك دي كلها، إحنا هنرفع دعوى (صورية عقود البيع) وهنثبت إنها عقود هبة مستترة، وفي نفس الوقت هندور ورا مصادر دخل الزوج والفلوس اللي اتمولت بيها الحاجات دي، وهنثبت إنك كنتِ شريكة في بناء حياته ومكنتيش مجرد زوجة.. بس الأهم من ده كله، هو مش لازم يحس بأي حاجة دلوقتي خالص، اطبخي الطبخة على الهادي لحد ما نجمع خيوطنا ونرفع القضية فجأة وهو مش عامل حسابه".
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن في طاقة وقفتني على رجلي تاني.. رجعت البيت قبل ما عاصم يرجع، وحطيت في بطني بطيخة صيفي، ورجعت الوش الخانع الطيب.. قعدت جنبه على الكنبة وهو بيتفرج على التلفزيون، وبصيت له وبقيت أقول في بالي: "اشبع بالأيام دي يا عاصم، وافرح بالورق اللي مخبيه.. عشان لما الحبر بتاعه يتمسح، مش هتلاقي حتى الحيطة اللي تسند عليها".