قصص وروايات أمانى سيد
مراتى ست بيت ٣
بعد يومين، لقيت البيت مليان دوشة وضحك، صوت أهلي (أهل مراتي) كان مالى المكان. دخلت من الشغل مصدوم، لقيت السفرة متزينة بأحلى الأكل اللي كنت بحرمها تعمله لهم، وقاعدين معاها بيضحكوا وبيهزروا، وكأنهم في بيتهم مش في بيت "جوز بنتهم" اللي كان مانعهم ييجوا.
بصيت لمراتي، كانت بتتحرك بينهم بمنتهى السعادة، عيونها بتلمع بفرحة حقيقية ما شفتهاش من سنين. أول ما شافتني، ما حستش بأي اهتمام، بالعكس، سلمت ببرود وكملت كلامها مع أبوها وأمها، ولا كأن وجودي فارق في أي حاجة.
بدأت أحس بمرارة إني كنت حارمها منهم زمان، فاكر إني بفرض سيطرتي، وفي الآخر اكتشفت إني كنت بس بزود الفجوة بيننا. قعدت في ركن في الصالة، محدش عبرني، الكل مشغول بمراتي اللي بقت هي "العائل" والمحور لكل اللي بيحصل في البيت.
مراتي بدأت تهمشني تماماً؛ لو اتكلمت في موضوع يخص البيت، بتبص لي بصه وتقولي "أنا وأهلي قررنا كذا، وده الأفضل للعيال". حياتي اللي كانت ماشية بدماغي وباللي يرضي أهلي، بقت ماشية بدماغي مراتي وأهلها. بقيت "ضيف" في بيتي، باكل وأشرب وأخرج وأدخل من غير ما حد يسألني عن رأيي أو يهتم بوجودي.
أهلي حاولوا يتصلوا بيا، بس مراتي كانت بتشوف تليفوني وتقولي "مش وقت كلام مع حد دلوقتي، الولاد بيذاكروا"، وبمنتهى الهدوء بتسحب الموبايل مني. لقيت نفسي في دايرة مقفولة، بقيت أنا اللي كنت "السيّد" المهان في بيته، والراجل اللي كان فاكر إن كلمته مسموعة، بقى ملوش كلمة خالص، وكل اللي عملته إني بقيت "بصرف" بس، كإني بقيت "ممول" للبيت اللي بيتعمل فيه كل حاجة بعيد عني، ومن غير حتى ما أكون جزء من الصورة.
قعدت في ركن الصالة، براقبهم من بعيد، وشفت في عيون مراتي القوة اللي أنا كنت السبب في صنعها، بس شفت كمان "الكسرة" اللي أنا سببتها لها سنين طويلة. قمت وقفت، وجمعت كل شجاعتي، وطلبت من أهلها دقيقة، ووقفت قدامها قدامهم كلهم.
بصيت لها ونزلت راسي، وقلت بصوت مش طالع من كبريائي القديم، ده صوت ندم حقيقي: "أنا عارف إني غلطت في حقك كتير، وعارف إن اللي وصلتي له ده كان نتيجة ظُلمي ليكي وتهميشي لمشاعرك. أنا اتعلمت الدرس، والدرس ده كان قاسي أوي لما لقيت نفسي غريب في بيتي".
خدت نفس طويل وكملت: "أنا بوعدك، قدام أهلك، إني هغير كل حاجة. أهلي من هنا ورايح مالهمش أي كلمة في بيتي ولا في تفاصيل حياتنا، ولا هيسمح لهم حد يزعلك أو يتدخل في خصوصيتك تاني. ولو حبيت أعزمهم، الأكل هييجي جاهز، ومش هسمح ليكي تتحملي تعب أو إهانة أو خدمة حد في بيتك. البيت ده ليكي إنتي، والقرار فيه ليكي إنتي، وأنا هكون السند مش العبء".
سكتت مستني رد فعلها، لقيت أهلها بيبصوا لبعض، ومراتي بصت لي بنظرة طويلة، كان فيها عتاب ولسه بقايا جروح، بس لأول مرة من فترة طويلة، شفت فيها لمحة "لين" صغيرة. قالتلي بصوت هادي: "الكلام سهل يا ابن الناس، بس الأفعال هي اللي بتأكد.. أنا مش طالبه غير حقي في الاحترام والخصوصية، والبيت ده لازم يرجع هادي لينا ولولادنا".
حسيت في اللحظة دي إنها بدأت تفتح باب صغير للرجوع، وإن الطريق مش هيكون مفروش ورد، بس على الأقل، لأول مرة بقيت أنا وهي في نفس الصف، بنبني بدل ما كنا بنهدم. أختي حاولت تتصل تاني، بس المرة دي، شلت الموبايل، وبعتلها رسالة واضحة: "حياتي وتفاصيل بيتي خط أحمر، وأي تدخل مش هيكون مقبول نهائياً"، وقفلته وحطيته على جنب. قعدت معاهم، ولأول مرة، حسيت بجد إني "راجل البيت" اللي بيحمي بيته مش اللي بيهده بجهله.
من يومها، بدأت رحلة طويلة وصعبة عشان أصلح اللي انكسر. أول حاجة عملتها إني أخدت موقف حازم مع أختي، ووضحت لها إن بيتي ليه حرمته، وإن زياراتها بقت بمواعيد وبأدب، ومن غير أي تدخل في خصوصياتنا. في البداية قاومت وهاجمت، بس لما لقتني واقف في صف مراتي ومتمسك بقراري، بدأت تتراجع وتفهم إن اللعبة اللي كانت بتلعبها انتهت للأبد.
بدأت أهتم بمراتي وبطلباتها، وأقدر كل حاجة بتعملها في البيت، مش بصفتها واجب مفروض عليها، لكن بصفتها شريكة حياة لها كل الحق في التقدير. بقيت أشيل عنها أعباء كتير، ولما بييجوا أهلي أو حتى أهلي يزورونا، كل حاجة بتيجي جاهزة عشان محدش يضغط عليها أو يطلب منها خدمة.
مراتي، بالتدريج، بدأت ترجع لحيويتها وابتسامتها اللي كانت وحشاني، والبيت اللي كان دايماً مشحون بالتوتر والشد، رجع بيت دافي وهادي. صحيح الجروح اللي سببتها مش هتلم في يوم وليلة، ومحتاج مني صبر ومجهود كبير عشان أكسب ثقتها من تاني، بس أنا قررت إني مش هرجع لورا.
اتعلمت إن الرجولة مش بالصوت العالي ولا بالسيطرة والتحكم، ولا بإنك تدوس على كرامة شريكتك عشان ترضي أهلك. الرجولة هي إنك تكون "عائل" حقيقي، يعني سند، وأمان، وشريك بيحمي بيته من بره ومن جوه. قعدت مع نفسي في يوم، لقيت البيت هادي والولاد بيلعبوا ومراتي قاعدة بتقرأ كتابها، وبصيت لنفسي في المراية، وحسيت إني لأول مرة بقيت راجل فعلاً، مش مجرد "عائل" بيصرف ومستني الطاعة. الطريق لسه طويل، بس أنا عرفت إني كسبت أعظم حاجة: كسبت بيتي، وكسبت مراتي، والأهم.. كسبت نفسي.
حتى اهلى بطلت احكيلهم حاجه عن بيتى ولما يحاولوا يفتحوا اى كلام ببدأ بالهجوم وهما بطلوا يتدخلوا لما لاقوا إن مافيش امل
تمت