قصص وروايات أمانى سيد
مراتى ست بيت ٣
فضلت قاعد مكاني ساعات، والليل بيطول عليا وكأنه سنة. أفكاري كانت متخبطة، حاسس إني في مفترق طرق، وبدأت أراجع الشريط من أوله؛ من يوم ما كنت بدخل أختي البيت وأنا فاكر إني "بأصل" وببر بصلة رحمي، لحد اللحظة اللي بقيت فيها محبوس في صالة بيتي، غريب بين جدرانه.
جوايا صوت شيطاني بيقولي: "إنت الراجل، إنت اللي بتدفع، ماتخليش ست تكسر كلمتك، لو رجعت دلوقت يبقى ضعفت وهتفضل طول عمرك ممسوح الشخصية". بس صوت تاني، هادي ووجعني أكتر، بيقلي: "دي شريكة حياتك وأم عيالك، اللي هي النهاردة طلبت حقها الطبيعي، وهي اللي استحملت أختك وتجاوزاتها سنين، وإنت اللي كنت بتدفعها للسكوت".
بصيت على تليفوني، كان في رسايل من أختي بتبعتلي "شوف أختك فين دلوقتي، وشوف مراتك عملت فينا إيه"، كلامها كان بيولع النار أكتر، بس لما بفتكر نظرة مراتي وهي بتطردها وبتقولي "أنا مش مجبرة"، بحس إن كبريائي اللي كنت باينه بفلوسي ده مجرد قشرة هشة اتكسرت بأول هبة ريح.
لو تراجعت دلوقتي عشان أرضي أختي، هخسر مراتي وهدمر بيتي اللي تعبت في بنائه، ولو كملت في عنادي وقررت أخد موقف ضد مراتي، يبقى أنا بختار أكون لوحدي، ومعايا كبرياء ملوش أي معنى غير إنه يخليني "عائل" بلا بيت ولا عيلة تحترمني.
حسيت ببرودة في جسمي وأنا بتخيل حياتي من غيرها، ولادي اللي هيتشتتوا، والبيت اللي هيبقى فاضي.. بدأت أسأل نفسي: هي الرجولة إني أسيطر وأتحكم، ولا إني أحمي بيتي وأعرف أدي كل ذي حق حقه؟ لقيت نفسي بقوم ببطء وبمشي ناحية باب أوضة الولاد، وقفت قدامه، إيدي لمست المقبض، متردد ألف مرة: هل أدخل أعتذر وألم اللي اتكسر، ولا أفضل واقف برة، مستني الصبح عشان أكمل في طريقي اللي ممكن ينهي كل حاجة؟
طلعت الصبح، ومراتي كانت بتجهز الفطار للولاد بهدوء تام، ولا كأن في أي حاجة حصلت امبارح. دخلت المطبخ بملامح جدية، حاولت أرفع صوتي وأفرض سيطرتي زي ما كنت بعمل دايماً، قلت لها بصيغة متعالية: "شوفي، أنا لسه ماليش مزاج أفتح مواضيع، بس لازم تعرفي إن اللي حصل امبارح ده قلة أدب، وأختي مكانتها محفوظة، وماتفكريش إنك بكلمتين هتقللي من قدرها عندي".
بصت لي ببرود، ومن غير ما تنفعل، ومن غير ما ترفع صوتها، حطت السكينة اللي في إيدها على الرخامة بهدوء مرعب وقالت: "إنت لسه فاكر إنك بتستعرض عضلاتك عليا؟".
قربت مني خطوة وكملت بنبرة خلتني أحس إني صغير جداً في عيون نفسي: "يا ريتك تفهم، أختك لو فعلاً بتحبك وعايزة تكبرك، كانت عرفت إن تكريم مرتك من تكريمك، وإن لما بيكبروا مراتي بيبقوا بيكبروك.. بس هما للأسف مش فاهمين ده، هما بيحاولوا يقللوا مني ومنك، وبيقللوا من شأن بيتنا عشان يحسوا إنهم مسيطرين".
وقفت أنا مبهوت، الكلمة دي دخلت زي السهم في قلبي. حاولت أجمع أي رد يرجع لي هيبتي، بس كلامها كان حقيقي لدرجة تجرح، حسيت إن كل "استعراضاتي" قدامها بانت على حقيقتها، مجرد محاولة بائسة عشان أداري إني كنت ببيع كرامة بيتي عشان خاطر "أهلي" اللي مش مقدرين ولا فاهمين معنى التقدير. بصت لي نظرة شفقة أخيرة قبل ما تكمل شغلها، وأنا واقف، لأول مرة في حياتي، مش لاقي كلام أقوله، وكأن كل القوة اللي كنت متخيلها في "كوني العائل" اتبخرت وسابتني عريان قدام الحقيقة اللي قالتها.
وقفت في المطبخ، مذهول من كلامها وهدوئها اللي كسر كل كبريائي، وفجأة تليفونها رن، شفتها بتتكلم بمنتهى الثبات والهدوء مع حد بيفهمها إن الإجراءات خلصت. قفلت التليفون وبصت لي ببرود وقالت: "زي ما قلتلك، أنا ما بتهددش، وأنا بالفعل نزلت النهاردة وعملت تمكين للشقة، وكل الإجراءات القانونية بقت في إيدي".
حسيت بدمي بيجمد في عروقي، حاولت أستوعب كلامها: "تمكين إيه؟ إنتي بتعملي فينا إيه؟"، ردت عليّ وهي بتشرب قهوتها ببرود أعصاب: "أنا عملت اللي يحمي حقوقي وحقوق ولادي، البيت ده بقى بحكم القانون في حيازتي، وأي حركة غلط منك أو من أهلك هتخلي القانون يتدخل بطريقة تانية خالص".
لأول مرة، الأدوار اتبدلت تماماً. هي اللي بقت تهددني، وهي اللي بقت ماسكة خيوط اللعبة، وأنا اللي بقيت واقف بتهدد بالطرد من بيتي، وبقيت مرعوب من مجرد فكرة إن القانون ممكن يحرمني من وجودي في المكان اللي كنت فاكر إني بملكه.
قعدت على الكرسي مش قادر أتحرك، وهي كملت يومها عادي جداً، كأنها هي اللي بتدير البيت، لا، كأنها هي اللي بتدير حياتي كلها. بقيت أنا دلوقتي اللي ببلع ريقي وبستنى أي إشارة منها، وبدأت أدرك إن تهديدها بالطلاق والنفقة ما كانش مجرد كلام لحظة غضب، دي كانت بداية لواقع جديد أنا اللي بنيته بجهلي وتكبري، والنهاردة أنا بدفع تمنه غالي جداً، تمن "الرجولة" اللي فهمتها غلط.