امانى سيد
حادثه جوزى ٢
مرت الأيام، ورأفت بقى يعيش حياة تانية خالص بعيد عن جدران الشقة والكلور. في المكتب، اتعرف على "سها"، الزميلة اللي لبسها شيك وكلامها منمق، وبدأ الشيطان يلعب في دماغه. رأفت كان حاسس بصغر قدامها بسبب ماضيه، نفيسة في طلبات العيال، كان بياخد سها ويروحوا يقعدوا في "فود كورت" المول الكبير اللي نفيسة شغالة فيه.. كان فاكر إن المول واسع وعمره ما هيقابلها، أو يمكن كان بيتحداها في سره.
في ليلة، نفيسة كانت بتمسح الأرضية في الدور التاني من المول، ضهرها محني، وعرقها نازل على عينيها، والكمامة خانقة نفسها. فجأة، لمحت خيال عارفاه كويس.. قميص لبني هي اللي كاوياه بإيدها الفجر.
وقفت نفيسة، ساندة على الممسحة، وقلبها بدأ يدق زي الطبل. شافت "رأفت" قاعد على تربيزة في ركن شيك، والضحكة مالية وشه،.. هي عارفة إن الفلوس دي "حق العيال" اللي هو ادعى إنه مش معاه غيرها.
صوره: رأفت وهو بيتكلم، شاور بإيده في الهوا كأنه بيوصف حياته، ونفيسة سمعت بودانها (وهي بتقرب بالراحة بتمسح الأرض عشان تتأكد)
الكلور اللي كانت بتستعمله طول اليوم، حست إنه اتحول لنار في دمها. قلعت الكمامة ببطء، ومسحت وشها بطرف هدوم الشغل المبهدلة، وقررت إنها مش هتمشي المرة دي وتعيط.
خطوات نفيسة كانت تقيلة وهي بتقرب من تربيزتهم، والممسحة في إيدها بتخبط في الأرض زي "مارش الجنازة" لجوازهم.
وقفت قدامهم فجأة.. رأفت أول ما شافها، لونه خطف، والضحكة اتجمدت على شفايفه، وعينه برقت من الرعب.
نفيسة بصت بابتسامة وجع مريرة، وقالت بصوت مسموع للمول كله:
"بالهنا والشفا يا هانم.. بس ياريت يا أستاذ رأفت، وأنت بتعزم بفلوسي متنساش تاخد معاك وأنت مروح 'كيس العشا' للعيال اللي مستنيينك في البيت.. عشان أنا ورديتي لسه مخلصتش، ومقدرتش أجيب لهم عشا "
رأفت اتسمر مكانه، وسها بدأت تبص له بذهول واحتقار، ونفيسة رمت الممسحة تحت رجليه وقالت بكلمة أخيرة هزت كيانه:
"الحادثة اللي كسرت رجلك زمان يا رأفت، كانت أهون بكتير من الحادثة اللي كسرت فيها عيني النهاردة.. مبروك عليك 'نضافتك' الجديدة،
خرجت نفيسة من بوابة المول والبرودة اللي في الجو مكنتش أصعب من البرودة اللي سكنت قلبها. قلعت "الكاب" بتاع الشغل، وفكت طرحتها وأعادت ربطها بقوة كأنها بتربط على جرحها. في اللحظة دي، نفيسة خدت قرار كان أصعب من قرار نزولها للشغل أول مرة: "خلاص.. ميزان التضحية انكسر، واللي جاي لنفسي ولعيالي وبس."
روّحت البيت، وقبل ما تقلع جزمتها المقطوعة من المشي، سمعت رزع الباب وراها. كان رأفت، وشه محقن بالدم، وعينه بتطلع شرار.
رأفت زعق بهستيريا وهو بيقرب منها وكأنه هيضربها:
"فضحتييييني! قصادهم .
بقى "المحاسب رأفت" اللي الكل بيعمله ألف حساب، تتبلى عليه حتة عاملة نضافة قدام زمايله؟ ضيعتي مستقبلي وهديتي برستيجي، يا شيخة منك لله!"
نفيسة بصت له بمنتهى البرود، برود أرعبه، وقالتله بنبرة هادية ومسمومة:
"برستيجك؟ أنت برستيجك كان تحت عكازك وأنا اللي رفعته. مستقبلك كان في الحمام وأنا اللي كنت بشيلك أوديك له. لو مكسوف من "عاملة النضافة"، مكنتش تمد إيدك تاخد فلوسها وتجيب بيها قمصان تلمع بيها قدام الهوانم."
.رأفت ملقاش رد يداري بيه خيبته غير إنه يهجم عليها بالكلام اللي كان فاكر إنه هيذلها بيه:
أنا فعلاً غلطت لما فكرت إن الأصيلة هي اللي تشيل، أنتِ واحدة واطية وبتحبي الذل، وعاوزة تفضليني مديون ليكي طول عمري."
عارفة يا نفيسة؟ أنا مش بس هسيبك، أنا هريحك من "الهم" ده.. أنتِ طالق! طالق بالتلاتة، ومش عاوز أشوف وشك ده تاني، اطلعي برا حياتي بقى بشغلك بفقرك بريحة الكلور اللي لزقت فيكي!"
نفيسة مانهارتش، ولا صرخت، ولا استجدفته يرجع في كلامه زي ما كان متوقع. بالعكس، رسمت على وشها ابتسامة سخرية، ودخلت الأوضة وجابت شنطة هدومه اللي كانت محضراها من وقت ما شافته في المول.
رمت الشنطة تحت رجليه وقالت له:
"الباب يفوت جمل يا محاسب.. بس خليك فاكر، أنا اللي "طلقت" التضحية لواحد زيك من قبل ما أنت تنطقها. الشقة دي أنا اللي دافعة إيجارها من عرق جبيني، والعيال دول عيالي أنا.. أنت اللي تطلع برا، تطلع بقميصك المكوي
وقف رأفت مذهول، كان فاكر إن "الطلاق" كسر ليها، مكنش يعرف إنه كان "شهادة ميلاد" جديدة لنفيسة. خرج يجر شنطته وجيوبه مليانة جحود، ونفيسة قفلت الباب وراه بالمفتاح، وسندت ضهرها عليه وتنفست لأول مرة بعمق.
بصت لإيدها الخشنة وقالت بيقين:
الحمد لله انه طلقنى
بعد ما قفلت نفيسة الباب، مسمعتش غير صوت خطوات رأفت وهي بتبعد عن السلم، خطوات كانت زمان بتمثل لها "أمل في الشفاء"، ودلوقتي بقت بتمثل لها "خلاص من الهم".
بصت نفيسة حواليها في الصالة، لأول مرة تحس إن الشقة واسعة ونضيفة بجد، مفيش "رأفت" يطلب منها حاجة بتأمر، ولا "رأفت" يعايرها بريحتها، ولا "رأفت" يكسر خاطرها بكلمة. دخلت أوضة العيال، لقتهم نايمين ببراءة، بوستهم واحد واحد وهمست لنفسها: "من النهاردة مفيش شقا عشان خاطر حد مش بيقدر.. الشقا ليكم ولنفسي وبس."
تاني يوم الصبح، نفيسة مصحتش تجري تكوي قمصان ولا تحضر فطار لراجل جاحد، صحيت براحتها، فطرت مع عيالها، ونزلت المول وهي رافعة راسها. راحت للسوبر فايزر في المول، وبدل ما تطلب زيادة، طلبت فرصة تانية خالص، قالتله: "أنا بقالي شهور بلف في المول ده وعارفة كل كبيرة وصغيرة فيه، أنا مش بس بعرف أنضف، أنا بعرف أدير وأراقب المخازن والحسابات، وعندي عقل يوزن بلد، اديني فرصة واحدة بس أجرب". السوبر فايزر اللي شاف جدعنتها وشطارتها في الالتزام طول الشهور اللي فاتت وافق يديها فرصة "تجربة" في الإشراف المكتبي، ونفيسة اللي كانت فاكرة إنها "بدون مؤهلات" طلعت أشطر من مية محاسب، سنين الشقا في المول خلتها عارفة حركة البضاعة والداخل والخارج، فبقت "إيدها والنضافة" في الورق زي ما كانت في الأرض.
أما رأفت، فالحياة مضحكتش له كتير، "سها" الهانم اللي رسم عليها الدور، أول ما عرفت إنه "مطلق" ومعيول ومعهوش فلوس يصرف على "منظرها" بعد ما نفيسة قفلت الحنفية، سابته في أول محطة. والشركة اللي اشتغل فيها بـ "واسطة" نفيسة، اكتشفوا إنه "خاوي" ومبيفهمش في الأصول، وبدأ يغلط في الحسابات من كتر تفكيره في
في ليلة، رأفت كان واقف قدام المول، هدومه مبقتش مكوية، ووشه رجع شاحب وكئيب تاني، شاف نفيسة وهي خارجة من "الباب الرئيسي" للمول، مش باب المطبخ، كانت لابسة طقم شيك وواثقة في نفسها، وماسكة شنطة، وواقفة تستنى تاكسي بكرامتها. حاول يقرب منها ويقول بضعف ونبرة مكسورة: "نفيسة.. أنا عرفت قيمتك، الدنيا جت عليا يا أصيلة، والبيت من غيرك ضلمة، سامحيني ونبدأ من جديد".
مرت شهرين ونفيسة حالها اتقلب ١٨٠ درجة، أول قرار خدته إنها سابت شغلانة البيوت الصباحية ورمت "فوطة التعب" ورا ضهرها، وركزت كل مجهودها في شغلها الجديد في مكتب المول. بقت تصحى الصبح مش عشان تجري ورا حد، لكن عشان تدي لنفسها حقها؛ وقفت قدام مراية الصيدلية وجابت أول كريم مرطب لاديها، الكريم اللي ريحته كانت بتمحي ريحة "الفينيك" اللي سكنت مسامها سنين.
بقت كل ليلة قبل ما تنام، تدهن إيديها اللي شقيت وتعبت، وتتأمل ضوافرها وهي بتطول وبترجع لطبيعتها تاني. اهتمت بأكلها وبشرتها، والشحوب اللي كان مغطي وشها بدأ ينسحب ويحل محله نضارة ست بدأت "تحب نفسها". جابت لبس جديد، بسيط بس شيك، يفتح النفس على الشغل وعلى الحياة، وبقت لما تمشي في طرقة المول، زمايلها يحييوها بتقدير مش كـ "عاملة نضافة" لكن كـ "ست نفيسة" اللي ماسكة حسابات العهدة بكل أمانة وشطارة.
في يوم، وهي واقفة قدام مراية المول الكبيرة بتظبط طرحتها، لمحت انعكاس صورتها وابتسمت بجد؛ العيون اللي كانت دبلانة من السهر بقت بتلمع بطموح جديد، والضهر اللي انحنى من الشيل والسند اتفرد وبقى زي الألف. نفيسة في اللحظة دي عرفت إن "العلاج الطبيعي" الحقيقي كان لنفسها ولروحها، مش لرجل رأفت الجاحدة، وإن كل مليم صرفته على كريم لإيدها أو لقمة حلوة لعيالها كان استثمار في كرامتها اللي رجعت أغلى من الأول بكتير.
النهاردة نفيسة مش بس بتنضف حسابات المول، دي نضفت حياتها من أي شائبة كانت بتعطلها، وبقت كل ما تبص لإيدها الناعمة تفتكر إن "الإيد اللي بتشقى" تستحق إنها تتشال على الراس، ولو اللي شلته على كتافك نكر، فربك والزمن
تمت