بقلم امانى سيد
قيد عائلى ٢
ومرت الأيام وأنا عايشة في التمثيلية الكبيرة دي، ببدأ يومي بابتسامة وبأقضي فروض بيتي وبساعد بنتي في تمريناتها ومذاكرتها بكل طاقتي، وعاصم ينزل ويرجع وأنا زي ما أنا، الست المطيعة اللي مابتسألش عن حاجة. المحامي طلب مني أطول بالي خالص لحد ما يجمع تحريات كاملة عن أملاكه وحساباته، ويجهز العرائض القانونية صح عشان الضرب تيجى في مقتل.
وفي يوم، كان عاصم عندي في البيت، وقاعد بيفطر الصبح بكل برود، لقيت تليفونه اللي حاطه جنبي على السفرة نوّر برقم غريب.. الرقم مكنش متسجل، بس جات رسالة على الواتساب وظهرت على الشاشة بره. لمحت أول السطور وعيني لقطت الكلام: "يا حبيبي يوسف سخن جداً ومش راضي ينزل حرارته، والدكتور طالب تحاليل بسرعة.. اتصرف وتعالى".
قلبي اتقبض، بس ربنا الهمني ثبات انفعالي غريب في اللحظة دي. زقيت التليفون ناحيته بهدوء وقلت له: "عاصم، تليفونك جاله رسالة، شكلها حاجة مستعجلة في الشغل".
هو مسك التليفون وبص في الشاشة، وشوفت وشه لون خطف في ثانية، وحاول يداري ارتباكه وهو بيقوم بسرعة من على الأكل ويقول لي: "أه فعلاً.. ده المدير بتاعي في الموقع، بيقول في مشكلة كبيرة في الصبة ولازم أنزل الموقع فوراً.. أنا هلبس وأنزل يا فريدة ومش هعرف أرجع النهارده".
قمت وراه وبكل هدوء وبرود ورثتهم من وجعي، ناغشته في الكلام وقلت له: "يا ساتر يا رب، طب اهدأ بس والبس على مهلك، ربنا يعينك على شقاك وتعبك عشاننا.. روح يا حبيبي وشوف شغلك، إحنا متعودين خلاص".
نزل من هنا، وأنا قفلت الباب وراه، وضحكت ضحكة ماليانة غل.. الحبل بدأ يضيق حوالين رقبته وهو مش حاسس. طلعت موبايلي وكلمت المحامي فوراً وقلت له: "يا متر، هو لسه نازل حالا ورايح لبيته التاني.. قالي إنه رايح الشغل".
المحامي رد عليا بصوت فيه ثقة تسيّح الحديد: "جاءت في وقتها يا مدام فريدة، أنا التحريات عندي كملت بالملي، وعرفنا كل الثغرات، والنهارده الورق كله هيتقيد في المحكمة.. جهزي نفسك، عشان في خلال أيام الإعلان هيوصل له على بيته التاني وعلى بيتك، واللعبة اللي لعبها في السر هتبقى على المكشوف قدام الدنيا كلها".
مرت الأيام والأسابيع وأنا عايشة على أعصابي، مستنية اللحظة اللي الإعلان يوصله فيها. في يوم كنت قاعدة مع بنتي براجع معاها ورق تقديم كلية الشرطة، وتليفوني رن.. كان المحامي. صوته كان كله حماس وهو بيقولي: "مبروك يا مدام فريدة، الإعلان اتسلم لـ عاصم رسمي في بيته الثاني وهو وسط مراته وابنه، والمحضر مضّاه بنفسه".
ساعتها حسيت برعشة في جسمي كله، مكنتش عارفة أفرَح ولا أبكي، بس اللي كنت متأكدة منه إن وقت المواجهة جه.
مفوتش ساعتين، ولقيت الباب بيترزع بكل غل وعنف. عاصم دخل الشقة وعيونه بتطلع شرار، وشه كان أحمر وعروقه بارزة، وماسك في إيد إعلان المحكمة.. رماه في وشي وهو بيصرخ بأعلى صوته: "إيه القرف اللي أنتِ عاملاه ده؟ أنتِ بتستغفليني يا فريدة؟ رافعة عليا قضايا وبتطالبني ببطلان عقود بيع أملاكي لابني؟ أنتِ اتجننتي؟ وجبتي العناوين دي والورق ده منين؟"
وقفت قدامه بكل ثبات وبرود عمري ما تخيلت إني أملكه. بصيت في عينه مباشرة وقلت له بنبرة صوت واضحة وهادية زلزلت الأرض تحت رجليه: "أنا متجننتش يا عاصم.. أنا بس روحت أعمل قيد عائلي عشان ورق بنتك اللي طالع عينها وعيني عشان تدخل كلية الشرطة.. القيد العائلي اللي كشف لي إنك متجوز ومخلف ولد ومقضي الأعياد والمصايف والبيات بره معاهم، وأنا هنا نايمة على وداني وشايلة شيلة الأب والأم وبوفر في اللقمة عشانك".
هو اتصدم، ملامحه اتهزت والصوت العالي اختفى فجأة، وبدأ يتلعثم: "أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟"
كملت كلامي وبنفس النبرة: "وعرفت كمان إنك جردت نفسك من كل شقانا وتعب السنين اللي بدأناه سوا من الصفر وكتبت كل حاجة للولد.. سبت بنتك مأمنتهاش بمليم واحد كأنها مش من صلبك! روحت فتش ورا اللعبة اللي لعبتها في السر يا عاصم، والورق اللي افتكرت إنك مأمن بيه نفسك وابنك في بيت أمك، أنا صورته ورقة ورقة.. والمحكمة بكرة هي اللي هتحكم بيني وبينك وهتثبت صوريّة العقود دي وهترجع حق بنتي غصب عنك".
وقع على الكنبة وكأنه اضرب بالقلم، وبص لي بنظرة مكنتش عارفة هي خوف ولا ذهول من فريدة الجديدة اللي قدامه.. فريدة اللي ماتت جواها الست الطيبة، وصحيت مكانها أم مش هترحم اللي فكر يظلم بنتها.
فضل عاصم قاعد على الكنبة دقايق مش ناطق، باصص للإعلان اللي في الأرض وباصص لي، كأنه مش مصدق إن الست الهادية المطيعة اللي عاش معاها ١٥ سنة هي نفس الست اللي واقفة قدامه دلوقتي بكل القوة دي.
بدأ يحاول يلم الموضوع لما لقى زعيقه مجابش نتيجة، وقف وقرب مني ونبرة صوته اتغيرت وبقت ماليانة مسكنة واستعطاف وقال: "يا فريدة اهدى بس واسمعيني، أنا مغدرتش بيكِ ولا بحرم بنتي، أنا بس عملت كده عشان أأمن الولد.. أنتِ عارفة مجتمعنا وعيلتي ونظرتهم للـ بيخلف بنات، كنت خايف عليه وعلى ورثه من بعدي، لكن أنتِ وبنتك في عيني وعمري ما كنت هسيبكم محتاجين".
ضحكت بمرارة وقلت له: "تأمن الولد؟ تقوم تجرد نفسك من كل شقا عُمرنا وتكتب له الشقة والأرض والفلوس وتديله تعبي وتعب أهلي اللي كانوا بيشيلوني في غيابك؟ وجاي دلوقتي تقولي المجتمع وعيلتي؟ أنت محرمتش بنتك بس يا عاصم، أنت مأمنتهاش حتى بالحيطة اللي ساتراها! أنت كنت بتشوفها بتطحن في المذاكرة والتمرين عشان ترفع راسك وتدخل كلية الشرطة، وأنت في نفس اللحظة دي كنت بتمضي على ورق بيحرمها من كل مليم.. ومخبي عليا وسايبني أوفر في الأكل والشرب عشان تروح تفسحهم وتصيف بيهم بفلوسي!".
حاول يقرب يمسك إيدي وقال: "طب عشان خاطر بنتنا ومستقبلها، بلاش المحاكم والفضايح، دي داخلة كليّة شرطة والتحريات ممكن تؤذيها لو في قضايا ومحاكم بين أبوها وأمها.. خلينا نحلها ودي وأنا هكتب للبنت اللي أنتِ عايزاه".
بصيت له بكل قرف وزقيت إيده وقلت له: "مستقبل بنتي أنا مأمناہ، والمحامي بتاعي عارف بيعمل إيه كويس والقضية دي مش هتأثر عليها.. والحل الودي اللي بتتكلم عنه ده كان زمان لما كنت لسه بحترمك.. لكن دلوقتي، الكلمة لِلمحكمة، والورق الصوري اللي أنت فرحان بيه، المحضر اللي أنت مضيت بإيدك على إعلانه النهارده هو أول مسمار في نعشه.. اخرج بره بيتي يا عاصم، ومورنيش وشك تاني إلا في الجلسة".
بص لي وعينه لفت في الأوضة، وعرف إنه لو خرج من الباب ده وهو سايبني بالغل والتحدي اللي في عيني، مش هيرجع تاني إلا وبيته التاني مهدود فوق دماغه. بدل ما يمشي، لقيته واقف مكانه، رما مفتاح العربية على الترابيزة وقعد على ركبه قدامي، وبدأ يتحايل عليا بنبرة كلها رجاء وعياط: "عشان خاطر العشرة يا فريدة.. بلاش تخربي بيتنا بإيدك، أنا غلطت وأعترف إني غلطت، بس بلاش تدمريني وتدمري مستقبلي وتفضحينا قدام الناس وأهلي.. أنا مستعد أعملك أي حاجة ترضيكِ بس شيليني من دماغك ومن المحاكم دي".